ما بعد انتخابات أكتوبر 2021 ..الملفات الاقتصادية التي تنتظر الحكومة القادمة

Related Articles

ما بعد انتخابات أكتوبر 2021

الملفات الاقتصادية التي تنتظر الحكومة العراقية القادمة

د.رنا خالد 

رئيسة الباحثين والمدير التنفيذي 

منتدى صنع السياسات العامة 

IFPMC-LONDON

September 2021

منذ انتخابات 2018 وقبل انفجار جائحة كوفيد-19 وتأثيراتها العالمية وقبل انهيار أسعار النفط اكد اغلب المراقبين الاقتصاديين ان الاقتصاد العراقي وصل الى مراحل خطرة تهدد بانهيار كامل لجميع أسس الدولة العراقية وتصدع لكافة المؤسسات وان إجراءات الإصلاح الحكومية عاجزة تماماً عن انقاذ الانهيارات المتكررة وتوابعها الاجتماعية والسياسية والأمنية[1].

الا ان حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي لم تستوعب خطورة الانهيار  الاقتصادي الذي وصل اليه العراق ,كما لم تستوعب مدى وحجم التراكمات التي خلفتها الحكومات السابقة، وكانت للخطوات البطيئة والمتعثرة والحلول السطحية التي قدمتها حكومته تأثيرات كارثية أدت الى اندلاع اخطر واكبر موجة احتجاجات عمت العراق من أقصاه الى أقصاه وتكشفت عيوب النظام السياسي العراقي لما بعد 2003 واتضحت اهم تشوهاته الخلقية التي مفادها عدم قدرة هذا النظام على فهم طبيعة وسرعة التغير الاقتصادي في العراق والعجز المزمن في بناء خطط التنمية المستدامة التي تبني السلام والاستقرار  في العراق.

تداركت حكومة الكاظمي -بدعم إقليمي ودولي- الانهيارات الكارثية التي شهدها الاقتصاد العراقي وتم القيام بعمليات اسعاف اولي تعيد الانفاس دون ان تداوي الوباء الأساسي او تستأصل الاعتلال المزمن. ولكن هذه الإسعافات استطاعت ان تعيد ثقة المانحين الدوليين الذين كانوا يبحثون عن اثباتات لوجود إصلاحات حكومية حتى ولو كانت صورية وترك باقي العمل الى قوة التأثير الأمريكي الذي لازال فيه بعض الهامش الذي يؤثر في قرارات الإقراض وحزم الانعاش الاقتصادي سواء لدى صندوق النقد الدولي او البنك الدولي.

 وعلى الرغم من اهمال المطالب الأخرى الملحة، كانت الانتخابات العامة المبكرة هي الوعد الوحيد الذي اتفقت اغلب القوى السياسية على تنفيذه. وجرى في وسط فوضى الاحداث في 2019 تمرير إصلاحات سريعة على النظام الانتخابي بحجة تصحيح الانتخابات القادمة لتصبح اكثر شفافية (كما تدعي) لاختيار حكومة شاملة وكفؤة تعالج مشاكل العراق الاقتصادية والسياسية والأمنية.

في هذه المقالة  سوف نفترض ان الانتخابات العراقية المبكرة في أكتوبر المقبل 2021 قد حققت الحد الأدنى من الشرعية التي تمكنها من تشكيل الحكومة ورئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية. وانها نجحت في اول اختبار وتم فعلاً تحقيق انتخابات شفافة وان قانون الانتخابات الجديد ساعد في تحقيق التزام أعضاء مجلس النواب بتخطي انتماءاتهم الحزبية والمناطقية والأيديولوجية.

الان يبقى السؤال الأهم هو كيف سيتم إدارة ملفات العراق الاقتصادية؟ وهل تدرك الحكومة القادمة خطورة الملفات الاقتصادية العالقة على الاستقرار والسلام في العراق ؟.سوف نطرح بعض اهم تلك الملفات التي ستواجه الحكومة القادمة مباشرة بعد تعيينها[2].

 اهم الملفات الاقتصادية التي يجب ان تتوقعها الحكومة القادمة

اولاً :الموازنة

الموازنة العامة في العراق احد اهم العلل المستعصية في الاقتصاد العراقي . ومشكلة الموازنات العامة تبدأ من الإطار القانوني الذي يُعتمد عليه في انجاز المراحل المختلفة المتعلقة بالموازنة الاستثمارية، حيث لم يعط قانون الادارة المالية والدين العام رقم (95) لسنة 2004 المعدل الاهتمام الكافي بالموازنة الاستثمارية وكل ما يتعلق بالمراحل التي تمر بها دورة الموازنة الاستثمارية أسوةً بالموازنة التشغيلية. إضافة الى الخلل الذي يسببه اتباع أسلوب موازنة البنود في إعداد الموازنة العامة والتي  تسبب في غياب الأهداف التي تستند عليها عملية إعداد وإقرار الموازنة العامة الامر الذي انعكس على اتساع حجم النفقات العامة وزيادتها من سنة لأخرى لاسيما النفقات التشغيلية، وهذا ما تم تأكيده من خلال تحليل بيانات الموازنة العامة الاتحادية للسنوات2009- 2013 التي بقيت بدون أهداف واضحة ومحددة يتم إقرارها والابلاغ عنها ضمن قانون الموازنة العامة السنوي، كما انعكس على الرقابة على الموازنة العامة التي تجاهلت الاهتمام بالرقابة على مدى تحقيق الأهداف[3].

كل الحكومات السابقة عجزت عن التوصل الى حلول للبناء الركيك للموازنة العامة إضافة الى إيجاد حلول للعجز المزمن والذي وصل في مشروع موازنة 2020 الى ما لا يقل عن 45 ترليون دينار،حوالي 32 مليار دولار[4]مقابل 23 مليار دولار حجم العجز في مشروع الموازنة لعام 2019 [5]. لينتهي بإقرار موازنة 2021 بعجز  بلغ حوالي 30 مليار دولار  [6].العجز في الموازنة العراقية يحدده سعر برميل النفط باعتبار ان ايرادات الموازنة العراقية تعتمد على النفط بنسبة 86 %  ولم يتم تطوير أي مصادر أخرى لتمويل الانفاق العام كما لم يتم خفض الانفاق على القطاع العام في العراق الذي يشهد هو الاخر تضخماً كبيراً .وعليه وبتبسيط شديد فان ما تستلمه الدولة العراقية من بيع النفط غالبيته العظمى يتم توزيعة رواتب للقطاع العام والقوات الأمنية.

تشير اغلب التوقعات العالمية الى ان على الرغم من تعافي أسعار النفط ليصل الى 71 دولار في اوغسطس\اب الماضي  الا ان هذه الأسعار  لاتزال قلقة خاصة مع وجود ثلاث متغيرات أساسية :

  • مخاطر عودة الاغلاق متأثراً بازدياد حالات الإصابة بوباء كورونا والموجات المرافقة له .
  • احتمالات عودة ايران وفنزويلا الى أسواق النفط العالمية مما سيرفع المعروض من النفط مما يفوق حاجة الطلب العالمي
  • ارتفاع حدة المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وعليه فان الفرصة الوحيدة التي تنقذ الموازنة العراق العامة هو ان تباشر الحكومة المنتخبة القادمة في الاعداد للموازنة 2022 بأسرع وقت ممكن مستفيدة من استقرار أسعار النفط التي قد لن تستمر طويلا خاصة مع استمرار تعثر التعافي من الجائحة في اسيا وكذلك اذا تم حل القضايا العالقة في مفاوضات الملف النووي الإيراني مع الولايات المتحدة وتم الاتفاق على عودة النفط الايراني الوشيكة للأسواق العالمية والتي حتماً سوف تخفض الأسعار .

اما اذا تفاقمت الازمات السياسية بعيد الانتخابات وعرقلة تشكيل الحكومة وهو ما شهدته نسخ تشكيل الحكومات العراقية منذ 2005 حيث كان معدل تشكيل الحكومة بعد الانتخابات العامة يتراوح بين 6 الى 8 اشهر  وهذا يعني ان الحكومة القادمة قد لا ترى النور قبل انتهاء الربع الأول من 2022 وهي الفترة التي تجتمع اغلب توقعات أسواق النفط على انها فترة متأرجحة جداً وتحذر التوقعات انه سيشهد انخفاض في أسعار النفط العالمية[7]. وعلى الرغم من ان وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي قد نوه الى ان موازنة 2022 سوف تكون على أساس احتساب سعر 50 دولار لبرميل النفط وهي تصريحات لاقت انتقادات واسعة الا ان المبدأ الذي اتبعه علاوي سليم وواقعي وعلى الحكومة القادمة ان تأخذه بنظر الاعتبار للأسباب التالية :

  • ان أي زيادة في أسعار النفط يجب ان توجه لسداد الديون الداخلية والخارجية لكي لا يقع العراق في ازمة تكدس الديون الخطيرة
  • يجب تثبيت سعر برميل النفط في الموازنة العامة للحفاض على العجز دون 35% وهو الحد الأقصى المسموح في حال حدوث أي اضطراب مفاجئ في الأسواق العالمية وهذا ما حصل في موازنة 2020 حيث احتاج العراق الى الاقتراض من صندوق النقد الدولي لسد العجز الذي حصل نتيجة انهيار أسعار النفط متأثراً بانتشار جائحة كوفيد -19.

ثانياً: الدينار

قام البنك المركزي العراقي برفع سعر صرف الدولار إلى 1450 دينارا من اجل سد العجز المالي الكبير الذي شهدته البلاد على اثر انخفاض أسعار النفط وأزمة جائحة كوفيد -19 التي ضربت العراق إضافة الى أزمات العراق السياسية والأمنية، لكن هذا السعر لم يبق ثابتاً بل يشهد تغييراً في السوق بوصوله أحياناً إلى 1490 دينارا او ما دون ذلك بقليل[8] ،مما يؤثر حتماً على ارتفاع الأسعار  ويهدد باتساع فجوة الفقر في العراق .

وعلى الرغم من ان الحجج التي قدمتها وزارة المالية العراقية لهذا القرار  كانت تبدوا مقنعة الا ان استمرار صعود سعر الدولار وازدياد حجم المضاربات وتهريب العملة الصعبة خارج العراق  اثار انتقادات واسع من ان لا جدوى لاي اصلاح اقتصادي قاسي يتحمل تبعاته الطبقات الفقيرة في العراق بينما يسبب الفساد وعجز القانون وضعف الدولة الى هدر المال العام لصالح المتنفذين.

استخدمت الأحزاب السياسية مسألة سعر صرف الدولار  مقابل الدينار العراقي كمادة للدعاية الانتخابية حيث تسابق القادة السياسيون في تقديم الوعود بخفض سعر الصرف الى ما قبل 2020 علماً ان هذا الامر  ليس عملية سهلة على الاطلاق.

حيث ان خفض سعر العملة كان احد شروط صندوق النقد الدولي إضافة الى دعم القطاع الخاص وخفض الانفاق العام وبالتالي فان أي حكومة قادمة يجب عليها ان تستمر في الالتزام بما تعاهد عليه العراق. ضافة الى ان وضع العراق الحالي من تضخم الانفاق العام وعدم وجود أي نشاط استثماري مجدي وهروب معظم المستثمرين الكبار من العراق نتيجة تردي الأوضاع الأمنية والصحية ، كل هذه العوامل تجعل من الضروري ان يحافظ البنك المركزي على الاحتياطي النقدي وقد نجح بالفعل في زيادة الاحتياطي النقدي الى 60 مليار دولار مقابل 25مليار في

بالمقابل فان ما يجب ان تقوم به الحكومة المنتخبة القادمة هو :

1-حزمة القرارات التي تقدم الدعم للشرائح الفقيرة والمهمشة بدأً من رفع مبالع الرعاية والضمان الاجتماعي

2- بتوفير فرص العمل عن طريق جذب الاستثمار المجدي والمشغل.

3-إضافة الى محاربة الفساد

4-وضبط المضاربات وتهريب العملة وعمليات غسيل الأموال والتهرب الضريبي

5-وضبط التعريفات الجمركية والمنافذ الحدودية.

 كل هذه الإجراءات القانونية الرادعة من شأنها ان تقلل الهدر وتمنع ارتفاع أسعار الصرف عن الرقم المحدد من البنك المركزي مما يسهل عملية التخفيض التدريجي وصولاً الى استقرار أسعار الصرف، إضافة الى انه سيعزز من قوة موقف العراق امام الجهات الدولية المانحة.

ثالثاً: اصلاح القطاع العام  

الحكومة المنتخبة القادمة امامها واحد من اهم الملفات الملحة والحاسمة الا وهو  اصلاح القطاع العام حيث ان القطاع العام المترهل الذي تحميه المؤسسات المتأكلة اصبح خطراً يهدد التنمية في العراق خاصة مع عدم وجود نوايا حكومية جادة لتطوير القطاع العام و حوكمة الإدارة الحكومية لجعلها تتماشى مع تطورات العصر ومع متطلبات النمو السكاني في العراق .

في عام 2005 بلغ الانفاق على القطاع العام 26% من واردات النفط [9]، في محاولة من قبل الأحزاب التي حصلت على الأغلبية في اول انتخابات ان تشتري ولاء الناس وتعوض نقص خبرتها في رسم استراتيجية واضحة لاقتصاد جديد لعراق جديد كان في طور التشكل.

واستمرت هذه السياسة وتحولت الى عرف في السياسة العراقية لتصل ذروتها في عام 2016 حيث وصل الانفاق على القطاع العام الى 88% من واردات النفط [10]محملاً الميزانية العامة ثقلاً بالغاً إضافة الى تأثر الانفاق على مشاريع تحسين البنية التحتية والخدمات بشكل كبير. الا ان الكارثة تراكمت لتصل قيمة الانفاق على القطاع العام في مطلع 2020 الى 120% من قيمة واردات النفط [11]>

وعلى الرغم من ان نسخ الحكومات السابقة استلمت مبالغ كبيرة للمساعدة في اصلاح المؤسسات العامة ألا ان هذه المبالغ تبددت واستمر تدهور المؤسسات العامة وتزايد عدد الموظفين دون وجود خطة مستقبلية او هدف إستراتيجي يحكم السياسات العامة . حيث انفقت الولايات المتحدة 2,4 مليار دولار في عام 2012 لدعم صندوق الاقتصاد العراقي الذي كان يقتضي بأنفاق 930 مليون دولار على برامج تتعلق بالحوكمة وبناء إعادة بناء المؤسسات[12]. كذلك أنشأت العديد من وكالات الأمم المتحدة برامج لتحديث القطاع العام في العراق من ابرزها برنامج (I-PSM) والذي كان على مرحلتين: الأولى 2010-2012 وخصص لها مبلغ 6,13 مليون دولار .

والثانية 2013-2019 وخصص لها مبلغ 24 مليون دولار [13]

وقد شجع الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي في العراق بعد عام 2003 الى ان يكون تفكير صانع القرار محدوداً على المدى القصير فقط  حيت تتبنى النخب الحاكمة المقاربات الضيقة التي تديم بقائها في الحكم وليس الاستثمار المستدام في البنية التحتية في العراق والذي يضع حلول تستفاد منها الأجيال وليس الدورة الانتخابية الواحدة [14].

المشكلة الان ان موارد العراق النفطية أصبحت مهددة مع تذبذب أسعار النفط العالمية إضافة الى ان الفساد وهدر المال العام قلل من شهية المانحين الدوليين في تقديم المعونات وبرامج الإصلاح الممولة ولا تلوح للعراق الا تلك القروض الصعبة التي تفترض وجود برامج اصلاح جدية وقاسية. وعليه فان الحكومة المنتخبة القادمة قد تواجه خطر التعثر في سداد مرتبات القطاع العام في أي وقت تتردى فيه أسعار النفط على شاكلة ما واجهه العراق مطلع 2020 وهي بذلك مطالبة بعملية اصلاح فورية وعميقة للقطاع العام عبر سلسلة من التشريعات الخاصة بتحسين قانون العمل وقوانين الرقابة المالية التي تمنع الهدر إضافة الى العمل الجدي لتحسين وتطوير القطاع الخاص عبر مبدأ الشراكة والتوازن حيث يتم تنظيم العلاقة بين القطاع الخاص والعام عبر سلسلة من التشريعات التي تضمن الشراكة الفعلية مع الشركات الخاصة وان يتحمل هذا القطاع جزء من المسؤوليات التنمية مقابل الاستفادة المشتركة من موارد الدولة.

على الرغم من عدم الدقة والعمومية التي اتسمت بها ورقة الإصلاح البيضاء التي أعدتها حكومة مصطفى الكاظمي الا انها احتوت على بعض الأسس المهمة لإعادة بناء القطاع العام وتطوير القطاع الخاص والتي يمكن للحكومة القادمة الاستفادة منها وتطويرها بطريقة اكثر دقة وباستخدام قاعدة بيانات حكومية موثوقة تحدد بدقة حجم القطاع العام وحجم مساهمته في الناتج القومي الإجمالي إضافة الى حجم ودور وفاعلية القطاع الخاص ، والعراق لحد اليوم لا يملك قاعدة البيانات والإحصاءات الدقيقة الموثوقة عن هذين القطاعين .

رابعاً: الفساد والشفافية

الفساد في العراق هو الملف الأخطر الذي ستواجه الحكومة القادمة. من نافلة القول ان خارطة القوى السياسة المشاركة في الانتخابات لم تجري عليها تحديثات كبيرة بل ان ذات الوجوه والاسماء التي سبق ان تناوبت على رئاسة الحكومة في العراق تعود من جديد لتتنافس على الانتخابات. والحقيقة انها احدى اهم عيوب الديمقراطية في العراق التي لا تحتوي من الديمقراطية سوى الانتخابات النيابية العامة ولكنها تفتقد الى سائر أدوات الديمقراطية الأخرى والتي من أهمها الرقابة والمحاسبة .

الفساد في المؤسسات وفي التصرف بالمال العام اصبح مرادفاً للعملية السياسية وهي خاصية تعيق أي عملية ثقة بالإجراءات الحكومية والقرارات العامة. ولقد كان الفساد اهم عوامل الغضب الشعبي الذي اجتاح المدن العراقية في تشرين 2019. وعليه فان الحكومة القادمة – حتى وان كانت جزء من حكومة سابقة- عليها ان تعي خطورة التساهل في ملفات الفساد وان شبكة الفساد التي تمر عبر قطاعات مختلفة في العراق قد تصبح حفرة الموت والنهاية للاستقرار  الهش في العراق.

تتفق اغلب الآراء على ان ازمة الفساد في العراق تعود الى ضعف الجهد الحكومي العجز عن استحداث اليات عملية لمكافحة الفساد وليس الى عمق ازمة الفساد . وهذا ما يؤكده تصريح المدير التنفيذي لمنظمة الشفافية الدولية ديفيد نوسبوم والذي تحدث عن النتائج قائلا ( هذه النتائج تشير الى ان الفساد في العراق متفاقم وهذا ليس فقط عائد لانهيار الامن كما يروج له بل ايضا للمعايير المزدوجة في المراقبة والتوازنات وتطبيق القانون وعمل المؤسسات الرسمية )[15].

 ان اخراج العراق من ازمة تفشي الفساد واعادة ثقة المجتمع الدولي بالمؤسسات العراقية وقدرتها على بناء انظمة ناجحة لمكافحة الفساد تتطلب من صانع القرار القادم ان يتبع أسلوب الحزم في اجتثاث الفساد من جذوره وخاصة جذوره السياسية . ايضا التعاون مع السلطة القضائية و تجنيد المجتمع ووسائل التعليم ومنظمات المجتمع المدني وجماعات الضغط في خدمة الحرب على الفساد وهو ما ينعكس على صورة وجدية النظام السياسي في احتواء اضرار الفساد وانعدام الشفافية على البيئة الاقتصادية للعراق .

عموماً يجب على الحكومة المقبلة ان تركز جهودها على مكافحة الفساد من خلال الأساليب التالية :

  • استعادة سلطة الدولة والمؤسسات الحكومية الرسمية ومكافحة جميع اشكال السلطات غير الحكومية .
  • تعزيز مؤسسات المساءلة القانونية
  • الاستجابة لجميع الإشارات والمعلومات التي يتم ارسالها من قبل الناس سواء عبر الصحافة او عبر الشكاوى المباشرة والتي تتضمن شكوك حول وجود جنح الفساد والتلاعب بالمال العام .وتشريع القوانين لحماية المبلغين
  • الإفصاح عن الأصول وبيانات الدخل والمصالح المالية من قبل المسؤولين الحكوميين بدأً من رئاسة الجمهورية وانتهاءاً بالإدارات التنفيذية الأدنى .
  • اجراء عمليات رقابة حثيثة للدوائر الأشد ضعفاً امام الفساد سواء في بغداد او سائر المحافظات الأخرى.

ولاشك ان ملف الفساد سيكون من اعقد الملفات التي ستواجه الحكومة المقبلة وربما اكبر تحدي يواجه العراق هو إعادة بناء مؤسسات اقتصادية شفافة وبناء مصدات للهدر وسرقة المال العام انه ملف معقد يختلط فيه الاقتصاد بالسياسة بالأمن وتختلط فيه مستنقعات السرقة الحكومية ببحار الجريمة المنظمة وعلاقاتها الإقليمية والدولية. ولكن الضرب السريع على ايدي السراق المسؤولين عن تلك المستنقعات قد تكون كافية ومجدية للحكومة المقبلة – اذا كانت بحار الفساد العابرة تفوق قدراتها-. والحقيقة ان حكومة مصطفى الكاظمي قدمت نموذج مكافحة الفساد على الطريقة النيجيرية [16].وهو نموذج نجح الى حد ما في اكسابها انتصارات عززت من صورتها كحكومة تحارب الفساد. ولكن لا يجب التعويل كثيراً على الإجراءات الصورية والاعلانية لمكافحة الفساد حيث ان هذا الأسلوب قد يؤدي الى نتائج عكسية وعاجلاً ام اجلاً سوف تضطر الحكومة الى القيام بخطوات حقيقية وجذرية لتجفيف منابع الفساد.

العقود الثلاث

 لاشك ان هذه الملفات هي اقل بكثير مما يجب على الحكومة القادمة التعامل معه او حتى على الأقل ادراك خطورته . ولكن الواقع يشير الى انه وعلى الرغم من كل الوعود والتغييرات الشكلية التي أجرتها الأحزاب والكتل والتيارات السياسية  العراقية التي تتداول الحكم والسلطة منذ 2003 , الا ان الواضح -ومن خلال خطب الزعماء السياسيين في مؤتمراتهم الانتخابية او حتى والتصريحات الإعلامية والصحفية والمناظرات التلفزيونية- ان التغييرات التي وعدت القوى السياسية بأجرائها لم تمس جوهر العمل السياسي في العراق حيث لاتزال وعود المرشحين عاطفية وصوتية اكثر منها خطط واستراتيجيات واضحة لما يمكن عمله لإصلاح المؤسسات او تدارك الازمات.

على القوى السياسية المشاركة في الانتخابات ان تفهم معنى وخطورة الانهيار الاقتصادي الذي سوف يتجاوز  اندلاع الاحتجاجات الى حالة اشد خطورة شبيهة بالحالة اللبنانية حيث أصيبت المؤسسات بالشلل الكامل ولم تعد تجدي علاجات المؤسسات المالية الدولية ولا حتى تدخل القوى الدولية المؤثرة. او قد تكون تداعيات الانهيار الاقتصادي تتجاوز انهيار المؤسسات الى انهيار الاستقرار والأمن وانبثاق نموذج سياسي جديد شديد الراديكالية مثل الحالة الأفغانية.

في الحالة العراقية يجب ان يفهم صانع القرار الذي ستفرزه الانتخابات القادمة، ان العراق من اهم المرشحين لان يكون الانهيار فيه مزيجاً من الحالة اللبنانية والحالة الأفغانية في ان واحد وان المتغيرات الدولية والإقليمية شديدة التوتر والاضطراب وان العالم يعيش في حالة إعادة هدم وبناء أسس وقواعد جديدة تماماً في الحكم و العلاقات الدولية وأنظمة الاقتصاد والتبادل التجاري والمالي.

وفقاً لما سبق، يجب على الحكومة القادمة ان تستوعب حجم المسؤولية التاريخية التي ستقع على عاتقها وان طبيعة التوازن الحرج (بين الولايات المتحدة وايران) التي لطالما حافظت على استمرار  وديمومة هذا النظام قد لا تكون بالمتانة والثبات التي يتوقعه الزعماء السياسيين المخضرمين او المستجدين في إدارة الملف العراقي. وان الحكومة القادمة عليها ان تبدأ عمرها السياسي عبرة سلسلة من الإجراءات السريعة والحازمة والنشطة وان يكون أسلوب حركتها هو القفز فوق الموانع والحواجز والمحددات وليس المشي بينها وليس الزحف تحتها وليس التعامل او التماهي معها، فتلك الأساليب القديمة لم تعد تجدي نفعاً والضمانات الوحيدة هي في :

-اعلان تسوية سياسية جامعة لكل أطياف العملية السياسية أساسها تحمل المسؤولية عن جميع الأخطاء التي تم ارتكابها في الماضي(عقد سياسي).

-وكذلك كسب احترام الناس وثقتهم وإعادة الحقوق لهم واحترام مطالبهم ومستقبلهم وبناء أسس المواطنة في مجتمع يحترم الاختلافات ولا يسعى الى تحويلها الى مصادر للصراع(عقد اجتماعي ) .

-اصلاح الاقتصاد وإعادة توزيع الثروة وبناء أسس التنمية المستدامة طويلة المدى (عقد اقتصادي)

فهل الحكومة “المنتخبة ” القادمة ستكون واعية لهذه المسؤولية ام انها امتداد لسنوات الفشل ان لم تتحول الى مقدمة للكارثة؟

Executive & head of researchers

ranaifpmc@outlook.com

rana@ifpmc.org

Reference

 

[1] David Will:2015,The Root Of Iraq coming Financial Crisis, Global Risk Insights [website],Available in: https://globalriskinsights.com/2015/08/the-roots-of-iraq-coming-financial-crisis/

[2]تم التركيز على اربع ملفات أساسية علماً ان هنالك العديد من الملفات الملحة (البطالة ،المنافذ الحدودية ، العلاقة مع إقليم كردستان ،الاستثمار ،قوانين المحافظات..الخ)

[3] (PDF) إشكالية الموازنة العامة في ظل التشريع العراقي. www.researchgate.net/publication/330657782_ashkalyt_almwaznt_alamt_fy_zl_altshry_alraqy.

[4] سلام الجاف ــ بغداد محمد علي. “عجز قياسي في موازنة العراق لعام 2020.” العربي الجديد, العربي الجديد, www.alaraby.co.uk/

[5]Al Jazeera. “البرلمان العراقي يقر موازنة 2019.. وهذه قيمة العجز.” عراق | الجزيرة نت, Al Jazeera, 24 Jan. 2019, www.aljazeera.net/ebusiness/2019/1/24/%

[6] “عام شحيح ماليا في العراق وتوقعات بعجز كبير في موازنة 2021.” اندبندنت عربية, 3 Dec. 2020, www.independentarabia.com/node/173681/.

[7] إبراهيم الكاتب فاطمة. “أوبك تخفض توقعاتها للطلب العالمي على النفط للربع الأخير من 2021.” أموال الغد, 13 Sept. 2021, amwalalghad.com/2021/09/13/%.

[8] Al Jazeera. “العراق.. لماذا خفض البنك المركزي قيمة الدينار؟.” عراق | الجزيرة نت, Al Jazeera, 20 Dec. 2020, www.aljazeera.net/ebusiness/2020/12/20/%.

[9] Tabaqchali. Ahmed, Al-Shadeedi.Hamzeh,  Al-Saffar.Ali .2021, Iraq Economic Review: The National Baguet Short And Medium Term Prospects, Institute Of Regional and International Studies IRIS,Available In: https://auis.edu.krd/iris/sites/default/files/18%20Feb%2021%20Iraq%20Economic%20Review.pdf.p3

[10] Ibid

[11]Ibid

[12] Iraq for General Inspector Special the from Report Final A: Iraq from Learning ,SIGIR: DC Washington, Reconstruction pdf.iraqfrom-learning-sigir/2013/report/library/military/org.globalsecurity.www://http

[13]. ,Report Evaluation Draft: Programme Modernisation Sector Public Iraq 15412/download/documents/evaluation/org.undp.erc://https, UNDP: York New

[14] المولوي علي. “إصلاح القطاع العام في العراق.” البيان, 14 Apr. 2021, www.bayancenter.org/2020/07/6212/. ص7

[15] د. رنا خالد ،الطريقة النيجيرية والفساد في العراق ، منتدى صنع السياسات العامة IFPMC

https://ifpmc.org/الطريقة-النايجيرية-والفساد-في-العراق

[16] نفس المصدر السابق

Comments

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Popular stories

جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب

يعلن منتدى صنع السياسات - لندن IFPMC عن اطلاق مبادرة (جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب) في موضوع تأثير الجماعات والمليشيات المسلحة على التنمية الاقتصادية...

واقع التعليم الألكتروني في العراق و أهم التحديات

ا. م. د. ياسر علي ابراهيم شهدت السنوات الماضية تطورات علمية سريعة في تقنية  المعلومات والاتصالات مما جعل انتشارها وتطبيقها أمراً مألوفا وشائعا في العديد من...

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة شاهو القره داغي باحث في الشأن العراقي 27/4/2020           يعاني العراق منذ سنوات من العديد من المشاكل السياسية و الأمنية و الاقتصادية...