كيف يمكن للعراق الاستفادة من تجربة الجزائر في مجال الشركات الناشئة واقتصاد المعرفة ؟مقاربة مهمة يقدمها الاستاذ قاسمي عبد السميع

Related Articles

الشركات الناشئة واقتصاد المعرفة

مالذي يمكن أن يتعلمه العراق من تجربة الجزائر  ؟

الاستاذ قاسمي عبدالسميع*

باحث بمنتدى صنع السياسات

IFPMC-LONDON

August 2021

مقدمة :

مواصلةً لمقال سابق نشره منتدى صنع السياسات IFPMC حول سبل وآليات تطوير الشركات الناشئة بالعراق، تضطلع ورقة السياسات هاته على تقديم توصيات عَمَلية حول الخطوات اللازمة لتطوير هذا القطاع بالعراق، وذلك انطلاقاً من التجربة الجزائرية.

  1. توفر الإرادة السياسية :

لايختلف اثنان أن أول خطوة لتجسيد أيّ مشروع ذو بعد اقتصادي أو تنموي يجب أن تنطلق من إرادة سياسية جادّة وقناعة راسخة لدى صناع القرار. وهو ما ينطبق على مشروع تطوير الشركات الناشئة والذي يتطلب نجاحه رعايةً خاصة من لدّن صناع القرار ومختلف الدوائر الحكومية بالقطاعات ذات الصلة، ففي الجزائر مثلاً، أين من المتوقع أن يتجاوز عدد الشركات الناشئة 5000 شركة بداية هذه السنة[1]، مثّل تطوير الشركات الناشئة وخلق جيل جديد من رواد الأعمال مندمج في الرقمنة واقتصاد المعرفة أحد أبرز محاور برنامج الرئيس الحالي عبدالمجيد تبون[2]. وهو ما عملت عليه الحكومة منذ بداية 2020 على، حيث تم وضع إطار قانوني وتنظيمي خاص بتأسيس الشركات الناشئة؛ بموجبه تم تصنيف الشركات الناشئة واعفاؤها من الضرائب اضافة لتخفيف الإجراءات الإدارية، بهدف تشجيع الشباب الحامل للأفكار لتجسيد مشاريعه على أرض الميدان.

علاوةً على ذلك، تم تخصيص لأول مرة حقيبة وزارية للشركات الناشئة متمثلة في الوزارة المنتدبة المكلفة بالشركات الناشئة واقتصاد المعرفة التي تسهر على تطوير القطاع وتحسين بيئة الأعمال بالجزائر.

وبالتالي، يمكن القول أن الإرادة السّياسية تتجسد أساساً في ضبط الأطر القانونية والتنظيمية والإدارية المتعلقة بتأسيس الشركات الناشئة قبل كل شيء، على نحوٍ يسمحُ للشباب الحامل للمشاريع بترجمة أفكاره بكل سهولة، وهو ما يتعين على صانع القرار العراقي النظر فيه قبل أي خطوة أخرى، حيث أنه من الأهمية بمكان تحيين النصوص القانونية وعصرنة التنظيم الحكومي والإداري بطريقة تتجاوب مع خصوصية مجال الشركات الناشئة والتحديات الاقتصادية الراهنة.

  1. خطّة استراتيجية لترقية ريادة الأعمال وتطوير الشركات الناشئة

الإطار القانوني وحده لايكفي، بل يجب أن يقترن بخطة عمل واضحة المعالم يشارك في صياغتها وتنفيذها جميع الفاعلين دون استثناء. حيث في إطار ذلك، تم تنظيم عدة لقاءات وندوات ومعارض خاصة بالمقاولاتية، ريادة الأعمال وتأسيس الشركات الناشئة بالجزائر اضافة لانشاء لجنة وطنية لمنح علامة مؤسسة ناشئة، مشروع مبتكر وحاضنة أعمال تضم متخصّصين في المجال يتكفلون بدراسة المشاريع ومنح علامة “مؤسسة ناشئة” أو “مشروع مبتكر” أو “حاضنة أعمال” لأي شخص طبيعي أو معنوي يرغب في انشاء شركة ناشئة وذلك عن طريق بوابة إلكترونية خاصة[3] (www.startup.dz )

  1. إقامة شراكة بين القطاع العام، القطاع الخاص والمجتمع المدني:

إن تطوير الشركات الناشئة مرهون بتظافر جهود جميع الفاعلين، ولايقتصر على جهود الفواعل الحكومية وحدها، وهو ما يمكن أن نستقيه من التجربة الجزائرية حيث تم صياغة استراتيجية مبنية على شراكة ثلاثة أطراف وهم القطاع العام، القطاع الخاص والمجتمع المدني لاسيما الجمعيات ذات الطابع المهني منه، وذلك من خلال اللقاءات الدورية والتشاور المستمر، حيث يشارك القطاع الخاص والمجتمع المدني بشكل فعّال في كل ما يتعلق بتطوير قطاع المقاولاتية والشركات الناشئة بالجزائر [4].

  1. ضمان آليات تمويل مستدامة :

يُعتبر التمويل الحجر الأساس لإقامة أي مشروع مهما كان، كما يعتبر العائق الأكبر الذي قد يواجهه الشباب الحامل للأفكار في تجسيد مشاريعهم، وهو ما يستدعي بالضرورة، خلق آليات تمويل مستدامة وفعّالة تكفل لهؤلاء الشباب تنفيذ مشاريعهم وتطويرها، سواءً عن طريق الاقتراض أو الدعم المالي من الأجهزة الحكومية.

في هذا السّياق، أشرفت الحكومة الجزائرية في 03 من أكتوبر 2021، على إطلاق الصندوق الوطني لتمويل الشركات الناشئة يضطلع بالأساس بتمويل ومرافقة الشباب الحامل للمشاريع والأفكار [5]، وفي خطوة أكثر أهمية تم تفعيل صندوق ضمان أخطار القروض الذي يعتبر صمام أمان بالنسبة للمشاريع المتعثرة التي تم تأسيسها في إطار القروض التي تمنحها الدولة لانشاء الشركات الصغيرة والمتوسطة.

  1. إدماج الجامعات ومراكز البحث وإنشاء حاضنات ومسرّعات الأعمال :

لقد تم التطرق باستفاضة في الورقة التي نشرها منتدى صنع السياسات IFPMC سابقاً عن آليات تطوير ودعم الشركات الناشئة بالعراق، عن دور الجامعات والمؤسسات البحثية في دعم المؤسسات الناشئة والابتكار الرقمي، نظراً لامتلاكها جميع  الموارد والامكانيات البشرية والتقنية التي تسمح لها بلعب دور أساسي في التنمية الاقتصادية فضلاً عن دورها التقليدي في التكوين والبحث[6].

في هذا السّياق، عرفت مؤسسات التعليم العالي بالجزائر البالغ عددها 108 [7]، تزايداً كبيراً في وتيرة انشاء حاضنات الأعمال الجامعية ودور المقاولاتية وحتى النوادي الطلابية الناشطة في المجال الرقمي، كما ضبطت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالجزائر، شروط وأطر تنظيم الحاضنات على مستوى مؤسسات التعليم العالي، وكذا كيفية سيرها وتنظيمها عبر مذكرة توضيحية من أجل التكفل بمتطلبات تقديم الدعم والموافقة لأصحاب المشاريع الابتكارية سواء في مجال التكوين والاستشارة والتمويل إلى غاية إنشاء المؤسسة[8].

الخطوة السّالفة الذكر، يمكن اسقاطها على الحالة العراقية كذلك، حيث حسب تقرير صادر عن دائرة البحوث بمجلس النواب العراقي، توجد بالعراق 35 جامعة موزعة على 14 محافظة عراقية[9]. غير أن هذه الجامعات لا تتفاعل مع بئيتها الاقتصادية ولا تُسهم بالشكل الكافي في دعم البحث والابتكار وانشاء الشركات الناشئة لعدة أسباب تستلزم من القائمين على قطاع التعليم العالي وباقي القطاعات المعنية بالعراق دعم هذه الجامعات ودمجها في مختلف الخطط الاقتصادية والسياسات التنموية، وتمكينها من لعب أدوار أكثر أهمية في استراتيجية تطوير الشركات الناشئة من خلال تزويدها بمخابر بحث وابتكار وكذا حاضنات أعمال جامعية تسمح للطلبة الشباب بتجسيد مشاريعهم ضمنها.

من جهة أخرى، وفيما يتعلق بانشاء حاضنات الأعمال فزيادة على تلك التي يتم انشاؤها بالجامعات، وضعت الدوائر المختصة بالجزائر آليات ناجعة لتأسيس حاضنات الأعمال من خلال دعم انشائها وكذا تصنيفها من الناحية القانونية وكذا ادراجها  في  مدونة النشاطات الإقتصادية للمركز الوطني للسجل التجاري بالجزائر، وهي الإجراءات التي من شأنها تشجيع الشباب والمستثمرين على انشاء حاضنات ومسرعات الأعمال[10].

يعتبر غياب العدد الكافي واللازم لحاضنات ومسّرعات الأعمال التحدي الأبرز في العراق، هذه الأخيرة التي تعتبر عنصراً رئيسيا في النظام البيئي للشركات الناشئة، الأمر الذي يستدعي بالضرورة من صناع القرار الحكوميين وشركائهم في القطاع الخاص المبادرة بوضع كل الميكانيزمات القانونية والادارية لخلق هذا النوع من المؤسسات المنوطة بحماية الشركات الناشئة ومرافقتها.

خلاصة

تُعتبر الشركات الناشئة فرصة ووسيلة للعراق للاقلاع الاقتصادي وخلق اقتصاد المعرفة الذي يسمح بتنويع المداخيل والخروج من التبعية لقطاع المحروقات وضمان تنمية اقتصادية مستدامة. وذلك لما لها من مزايا في تسريع وتيرة التنمية وخلق ديناميكية اقتصادية وتكنولوجية، وتوفير فرص شغل لائقة ومستدامة، إضافة لدورها الحاسم في تفعيل طاقات الشباب العراقي الحامل للأفكار والمتعطش لتجسيدها على أرض الواقع.

حيث لاشك أنه في ظل تداعيات جائحة كورونا والظروف الاقتصادية الصّعبة التي يمر بها العراق في الوقت الراهن، يُعتبر دعم الشركات الناشئة ضرورةً وحتمية؛ تستدعي وضعها كأولوية في خطط الإنعاش الاقتصادي بالعراق.

من جهة أخرى، من الأهمية بمكان بلورة استراتيجية وطنية مواكبة للتحولات التكنولوجية والاقتصادية مبنية على شراكة بين القطاع العام، القطاع الخاص والمجتمع المدني، ومستنبطة من تجارب دول مجاورة قطعت أشواطاً في مجال دعم اقتصاد المعرفة.

Email : abdelssami@ifpmc.org

الهوامش:

[1] المؤسسات الناشئة.. فرصة الجزائر للانطلاق الاقتصادي، سكاي نيوز عربية، 08/10/2021، شوهد في : 04/08/2021/ في : https://bit.ly/3js5Jxq

[2]  ملخص البرنامج الانتخابي للمترشح عبد المجيد تبون: التزامــاتي الأربع و خمسون (54) (وثيقة)، الجزائر اليوم، 09/11/2019، شوهد في 04/08/2021، في : https://bit.ly/2Vx9nh4

[3] مرسوم تنفيذي رقم 20-254 مؤرخ في 15 سبتمبر 2020 يتضمن إنشاء لجنة وطنية لمنح علامة “مؤسسة ناشئة”، “مشروع مبتكر” و”حاضنة أعمال” وتحديد مهامها وتشكيلتها وسيرها، الجريدة الرسمية، العدد 10، 21/09/2020.

[4]  ضرورة تكثيف المشاورات مع الجمعيات المهنية والمجتمع المدني لترقية المؤسسات المصغرة و الناشئة، وكالة الأنباء الجزائرية، 15/03/2020، شوهد في : 04/08/2021 في : https://bit.ly/3AbPbjL

[5] Fonds de soutien des startups : un appui financier pour une économie créatrice de richesse, APS, 04/11/2020, accessed on : 04/08/2021 at : https://bit.ly/2TTGxqI

[6]  علياء حسين خلف الزركوش ومحمد ليث طلال، حاضنات الاعمال التقنية في العراق بين الفكرة والتطبيق، مجلة آفاق علمية، مجلد 9، العدد 2، 2017، ص. 10-17

[7] Official website of Algerian Ministry of Higher Education and Scientific Research, link : https://www.mesrs.dz/universites

[8]  هذه تفاصيل إنشاء الحاضنات في مؤسسات التعليم العالي، شوهد في 04/08/2021، في : https://bit.ly/3ysBBs2

[9] قاسم اسماعيل جاسم، نظرة احصائية في توزيع الجامعات والكليات الحكومية والاهلية في العراق، مجلس النواب العراقي، بغداد، كانون الأول، 2018: https://bit.ly/35yT8lr

[10]  الصفحة الرسمية للوزير المنتدب الجزائري المكلف بالشركات الناشئة، شوهد في 04/08/2021، في : https://bit.ly/3yqDdCz

Comments

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Popular stories

جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب

يعلن منتدى صنع السياسات - لندن IFPMC عن اطلاق مبادرة (جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب) في موضوع تأثير الجماعات والمليشيات المسلحة على التنمية الاقتصادية...

واقع التعليم الألكتروني في العراق و أهم التحديات

ا. م. د. ياسر علي ابراهيم شهدت السنوات الماضية تطورات علمية سريعة في تقنية  المعلومات والاتصالات مما جعل انتشارها وتطبيقها أمراً مألوفا وشائعا في العديد من...

“Hisham Al-Hashemi” Award for Young Researchers – Papers

Below are the top 10 papers submitted for the Hisham Al-Hashemi Award. GASMI Abdelssam :The impact of terrorist groups and militias on the development...