تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة

Related Articles

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة

شاهو القره داغي

باحث في الشأن العراقي

27/4/2020

          يعاني العراق منذ سنوات من العديد من المشاكل السياسية و الأمنية و الاقتصادية التي كانت نتيجة تراكم أخطاء المنظومة السياسية القائمة على مبدأ المحاصصة و توزيع المغانم و المكاسب بين الأحزاب السياسية، والتي لعبت دوراً رئيسياً في تحول العراق إلى دولة هشة و فاشلة تحتل المراتب الأولى في القوائم الدولية لغياب الشفافية و الفساد و البطالة و الفقر، حيث تعاملت قادة الأحزاب الدينية في العراق بعقلية التاجر الذي يُفكر بأرباح آنية على حساب المصالح الاستراتيجية.

بعد إعلان الانتصار على تنظيم داعش في ديسمبر 2017 من قبل الحكومة العراقية ، كانت هناك فرصة ذهبية أمام الأحزاب السياسية للتغيير والاستعداد لإجراء انتخابات برلمانية نزيهة في عام 2018 و تشكيل حكومة قوية تعيد ثقة المواطنين بالمنظومة السياسية و تحظى بدعم دولي في ظل استعداد العديد من الدول لمساعدة العراق في مشاريع إعادة الإعمار ، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط و التحسن الملحوظ في الجانب الأمني.

المصالح الحزبية والشخصية بالإضافة إلى التدخلات الخارجية دفعت قادة الأحزاب السياسية إلى تشكيل حكومة ضعيفة بقيادة (عادل عبد المهدي) عاجزة عن الاستجابة لمطالب المواطنين او حماية السيادة الوطنية ، مما تسبب في خروج الآلاف إلى الشوارع في أكتوبر 2019 للمطالبة بإنهاء الفساد و استقالة الحكومة و تحسين الواقع المعيشي للمواطنين .

يعاني العراق حالياً من العديد من المشاكل و الازمات السياسية و الأمنية و الاقتصادية التي تُهدد بانهيار البلاد كما حذرت تقرير لمجلة “ايكونوميست” البريطانية في تقرير لها بأن “مسألة انهيار العراق باتت مسألة وقت، في حال لم يتخذ القادة السياسيون العراقيون خطوات إصلاحية حازمة ، بما في ذلك الحد من نفوذ الجماعات الموالية لإيران”.

إضافة إلى السخط الجماهيري و انسداد افق الحل السياسي، برزت تحديات جديدة في العراق ، منها انهيار أسعار النفط و عودة نشاطات تنظيم داعش ، وانتشار فيروس كورونا الذي ألحق أضراراً كبيرة بمصالح المواطنين عن طريق إيقاف عجلة الحياة و قللت من الإيرادات الداخلية للحكومة والتي ستؤثر بشكل سلبي على الجانب الاقتصادي.

أبرز التحديات الاقتصادية

أولا: انهيار أسعار النفط: يعتبر الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي يعتمد بشكل رئيسي وبنسبة 95% على النفط في توفير مستلزمات ما تحتاجه الدولة، ويُشكل النفط ما يقرب 99% من صادرات العراق ، ومع تراجع أسعار النفط سيعاني العراق من ازمة اقتصادية حقيقية في ظل غياب أي مصدر آخر لتوفير الإيرادات غير النفط، حيث فشل العراق في تنويع مصادر الدخل في السنوات الماضية على الرغم من المناشدات المستمرة.

يؤكد وزير النفط العراقي أن العراق سيجني في العام 2020 نصف ما كان يجنيه في عام 2019 من مبيعات النفط، حيث جنى العراق 78 مليار دولار من مبيعات النفط في العام الماضي بقيمة 61 دولار للبرميل، بينما في هذا العام سينخفض المبلغ إلى 40 مليار “.

من الواضح أن تراجع أسعار النفط سيؤثر على ميزانية 2020 التي بلغت (135 مليار دولار) بعجز مالي يبلغ (40 مليار دولار) والتي قدرت سعر البرميل الواحد بـ56 دولار ، بينما اليوم انهارت قيمة البرميل الواحد إلى نحو 20 دولار مع توقعات بصعوبة ارتفاعه مجدداً في ظل الازمات الحالية و انتشار فيروس كورونا و انخفاض الطلب على النفط بسبب تعطل الحياة في اغلب دول العالم.

ما يجري اليوم نتيجة طبيعية للسياسة الاقتصادية التي اتبعتها العراق في السنوات الماضية ، حيث اعتمدت على النفط بشكل كامل دون التفكير في المستقبل او الاستعداد لسيناريوهات انهيار أسعار النفط ، على الرغم من مرور العراق بأزمات سابقة وخاصة في عام 2014 عند تراجع أسعار النفط.

ثانياً: تفشي الفساد وغياب الشفافية: يحتل العراق المرتبة 162 عالمياً من بين 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد التابعة لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2019.

تؤكد الإحصائيات و البيانات الرسمية أن العراق خسر أكثر من 500 مليار دولار جراء الفساد منذ 2003 وحتى عام 2019، ومن المؤكد ان الفساد اضعاف هذه الأرقام الرسمية لأن الحكومة غير جادة في الكشف عن ملفات الفساد والأرقام الحقيقية التي تُثبت تورط كافة الأحزاب السياسية بهذا الملف.

أبرز ملفات الفساد هي تهريب النفط عن طريق الأحزاب و الميليشيات ، ورواتب المسؤولين و الحمايات والمستشارين، والمكاتب الاقتصادية للأحزاب السياسية، و الاستيلاء على عقارات الدولة ، وصفقات الأسلحة ، ومزاد العملة ، بالإضافة إلى ملف الموظفين الوهميين او الفضائيين او الذين يقبضون أكثر من راتب و يُشكلون نزيفا مستمرا لموازنة الدولة.

الفساد لا يؤثر فقط على الجانب الاقتصادي والذي يؤدي بدوره لتراكم الثروة عند قلة من الناس على حساب الاغلبية التي ستعاني من الفقر والعوز والحاجة ، بل ستؤدي بشكل تدريجي إلى العنف و المشاكل السياسية و الأمنية و إضعاف مؤسسات الدولة، و الإجراءات الحكومية لمحاربة الفساد في العراق عبارة عن ردات فعل آنية من قبل الحكومة يتم من خلاله محاسبة صغار الفاسدين قُبيل الانتخابات بهدف كسب الأصوات او استجابة لمطالب شعبية بهدف تخدير وتهدئة الشارع ، بينما المطلوب اتخاذ خطوات استراتيجية ضمن خطة وطنية شاملة لتشخيص الفساد و السيطرة عليه .

ومن المهم أن نذكر هنا تجربة سنغافورة في هذا المجال، عندما وصل “لي كوان يو” الأب المؤسس لسنغافورة الحديثة ، قرر البدء بحملة استراتيجية لتنقية البلاد من كل اشكال الفساد من مرحلة الانتخابات إلى تشكيل الحكومة و المراحل الأخرى. لأنه وحسب (لي كوان يو) فإن الحكومة النظيفة يبدأ أساسا من مرحلة الانتخابات، وكلما كان المال القذر هو مصدر المنصب السياسي كلما كان الفساد أكبر في الحكومة، لأن التكلفة المرتفعة للانتخابات والمناصب السياسية تدفع الأحزاب التي تصل للسلطة لاستعادة المال التي تم صرفه للحصول على المنصب وتجهيز مال جديد للحملة المقبلة عبر استغلال النفوذ والتقرب من المسؤولين و التأثير عليهم عبر الصفقات القذرة، ونتيجة لهذه السياسات نجحت هذه الحملة و انعكست إيجابياً على الدولة وتحولت إلى أكثر الدول تطوراً في المنطقة والعالم.

ثالثاً: توقف مشاريع إعادة الاعمار و الاستثمارات الخارجية

بعد إعلان الانتهاء من تنظيم داعش، قدر رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي كلفة الخسائر الاقتصادية التي لحقت بالعراق بأكثر من 100 مليار دولار ، بينما قدر البنك الدولي كلفة إعمار المناطق المُدمرة بنحو 88.2 مليار دولار ، وعلى الرغم من تعهد المجتمع الدولي بمنح العراق 30 مليار دولار أمريكي في مؤتمر الكويت الذي انعقد عام 2018 ، إلا ان الدول التي تعهدت بمنح المساعدات لم تف بالتزاماتها بسبب سوء الأوضاع الأمنية و انتشار الميليشيات و عمليات الابتزاز والنفوذ الكبير للفصائل والجماعات المسلحة في المناطق المُحررة من تنظيم داعش.

بقاء و تمركز الميليشيات في المناطق المُحررة عرقلت جهود إعادة إعمار هذه المناطق، وبسبب عمليات التهريب و الخروقات الأمنية في ظل الميليشيات استطاع تنظيم داعش إعادة تنظيم صفوفه في العديد من المناطق و استئناف النشاطات الإرهابية ضد الأهالي و القوات الأمنية ، وهذا يعني غياب الاستقرار في هذه المناطق خلال المرحلة القادمة والتي ستعطل كل الجهود الداخلية و الخارجية لإعادة الحياة إلى هذه المناطق المُدمرة في الحرب على الإرهاب.

بالإضافة إلى ذلك، تحول العراق إلى بيئة طاردة لرؤوس الأموال الوطنية وفشلت في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى العراق، بسبب المشاكل الأمنية و انتشار الفساد و تردد الشركات الأجنبية من الدخول إلى العراق بسبب كثرة العراقيل و المشاكل التي تواجههم.

وكان العراق احتل المرتبة 172 من بين 190 دولة في مؤشر البنك الدولي السنوي لسهولة ممارسة الاعمال لسنة 2020، والتي يُجرى بناء على معايير تقييم مختلفة منها سهولة بداية العمل التجاري و حماية المستثمرين و دفع الضرائب و التعامل مع حالة التعثر.

إضافة إلى التحديات الرئيسية ، يواجه العراق تحدي الديون الخارجية و الداخلية التي تُقدر بأكثر من 130 مليار دولار ، وارتفاع نسبة الفقر إلى 20% والتي تعادل 7 ملايين مواطن في عموم العراق، وانتشار البطالة بين الشباب ، و الاعتماد على الاستيراد من الخارج ، والعديد من التحديات الأخرى التي تواجه الاقتصاد العراقي ويتطلب جهوداً حقيقية للتغلب عليها وسط تصاعد الغضب الشعبي.

الخيارات الضرورية لمواجهة التحديات

تفاقم المشاكل الاقتصادية يضع صناع القرار في العراق أمام اختبار حقيقي لإنقاذ العراق من الانهيار، تُعتبر إيران المستفيد الأول من استمرار الوضع العراقي على ما هو عليه، حيث تقوم العلاقات بين البلدين على استنزاف الاقتصاد العراقي لصالح إنعاش الاقتصاد الإيراني، وعلى قادة العراق أن يراجعوا طبيعة العلاقات مع إيران ويعيدوا بناءها على أساس المصالح المشتركة والصداقة القائمة على الاحترام المتبادل و إنهاء المعادلة الحالية التي تُلحق أضرارا كبيرة بالعراق.

بالتزامن مع هذه الخطوة التي تُعزز أيضاً من السيادة الوطنية  ، على الحكومة العراقية القادمة اتخاذ خطوات جدية نحو الإصلاح و مكافحة الفساد و زيادة الشفافية ومعاقبة الفاسدين ومحاولة استرداد الأموال المنهوبة في الخارج والسيطرة على المعابر الحدودية و إنهاء تهريب النفط ، لإعادة كسب ثقة الشارع العراقي و إعطاء صورة إيجابية للخارج بوجود إرادة حقيقية للإصلاح و التغيير في العراق، ومن الضروري الاستفادة من التجارب العالمية و الاستعانة بالخبرات الخارجية للمساعدة في الخروج من الازمات الحالية.

المرحلة القادمة تتطلب مزيداً من الجرأة في عملية اتخاذ القرارات الحاسمة من قبل صناع القرار السياسي في العراق، من المهم التركيز على المصالح الوطنية على حساب المصالح الشخصية و الحزبية و الاجندة الخارجية ، وفي حال تقاعست السلطة في العراق عن التصدي لهذه الازمات بصورة سليمة فإن أمواج التحديات قد تُغرق سفينة العراق .

Comments

  1. ليس هناك من لايعرف ماذا يجري في العراق وعليه فان اَي تغيير نحو الافضل يجب ان يمر من خلال التخلص من هذه الزمره الفاسده من الاحزاب او إنهاء تأثيرها في اتخاذ. القرار الصحيح لتصحيح المسار العراقي وان عدم ضمان ذلك ذلك يعني ان الدوله العراقيه ستنهار تدريجيا نحو الانحلال وخاصة ان اخواننا الأكراد سوف لن ينتظرو لذلك الوقت

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Popular stories

جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب

يعلن منتدى صنع السياسات - لندن IFPMC عن اطلاق مبادرة (جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب) في موضوع تأثير الجماعات والمليشيات المسلحة على التنمية الاقتصادية...

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة شاهو القره داغي باحث في الشأن العراقي 27/4/2020           يعاني العراق منذ سنوات من العديد من المشاكل السياسية و الأمنية و الاقتصادية...

FOREIGHN AFFAIRS الثورة الايرانية القادمة..احدث مقالات مجلة

الثورة الايرانية القادمة لماذا على الولايات المتحدة ان تسعى لتغيير النظام السياسي الايراني ؟ كتابة :اريك ادلمان و راي تاكيه By Eric Edelman and Ray Takeyh مجلة FOREIGHN...