تجربة إقليم كردستان : حتمية الإصلاح الاقتصادي لمنع الانهيار

Related Articles

تجربة إقليم كردستان : حتمية الإصلاح الاقتصادي لمنع الانهيار

شاهو القره داغي الباحث والمحلل السياسي

السيد دابان محمد النائب في برلمان اقليم كردستان

IFPMC-LONDON

  JUNURY  2021

الملخص التنفيذي

 بعد مرور 30 عام على تجربة إقليم كردستان العراق ، يُعاني الإقليم من أزمة اقتصادية قاسية بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة و تراكم ملفات الفساد خلال الأعوام الماضية ، ما أدى إلى حصول تأخر في  دفع رواتب الموظفين لأكثر من 50 يوماً مع استقطاع يصل الى 21% ، مما أثر سلبياً على الجانب المعيشي للمواطنين و أثارت أسئلة جدية حول مستقبل الإقليم الاقتصادي في ظل غياب أي اتفاق مع بغداد لمعالجة المشكلة المالية على المدى المنظور.

المقدمة

خلال العام الماضي 2020 صرفت حكومة إقليم كردستان العراق خمسة رواتب فقط و بصورة مقطوعة وليست كاملة ، مع اتهامات رسمية للأحزاب السياسية في بغداد بالوقوف وراء الازمة المالية في الإقليم عن طريق عرقلة الاتفاق بين أربيل وبغداد، و منع الحكومة المركزية من ارسال رواتب الموظفين إلى إقليم كردستان، بينما هناك الكثير من الأصوات التي تؤكد وتكرر دائماً بأن الإيرادات الداخلية في الإقليم من النفط و المعابر الحدودية و الضرائب الداخلية كافية لدفع رواتب الموظفين دون الحاجة إلى بغداد في حال طبقت الحكومة برنامجاً إصلاحياً شاملاً يُنهي كل أنواع الفساد و التهريب و المحسوبية في الإقليم .

 خطوات خجولة نحو الإصلاح

بدأت حكومة الإقليم في تنفيذ اول خطواتها الإصلاحية في العام الجديد لتنظيف سجل الرواتب من مزدوجي الرواتب و من يقبضون رواتب بصورة غير قانونية، حيث أعلنت وزارة المالية في إقليم كردستان العراق في 4 يناير 2021  عن ” وقف أكثر من 10 آلاف راتباً تكررت أسماء من يتقاضاها مرتين أو أكثر في النظام البايومتري الخاص بتنظيم عمل الرواتب في الإقليم”.

رغم تأخر هذه الخطوة إلا أنها خجولة أيضاً مقارنة بالظروف الحرجة التي يمر بها الإقليم ، وخاصة في ظل معلومات عن وجود أكثر من 300 ألف موظف وهمي في الإقليم.

 ورغم الأبواب الكثيرة للفساد إلا ان الحكومة مترددة في طرق هذه الأبواب حتى الآن، بسبب غياب الإرادة السياسية والشجاعة الكافية لتفضيل مصلحة الإقليم على المصلحة الحزبية الضيقة ، حيث تتجنب الحكومة إعلان المواجهة الشاملة مع الفاسدين و معاقبة حيتان الفساد بسبب تأثر القيادات الحزبية و الشركات الموالية لها بأي خطوة إصلاحية، فهناك غموض كامل يكتنف مصادر تمويل الأحزاب السياسية الحاكمة في الإقليم ، وبينما يعاني المواطن من تأخر الرواتب و الظروف الاقتصادية السيئة ، لم تؤثر الازمة المالية على الأحزاب الحاكمة ، وهذا يوضح أن الإيرادات الحزبية أكثر من إيرادات الحكومة و أن تحقيق الشفافية الكاملة سيساهم في معالجة الازمة المالية بصورة كبيرة .

التحديات الرئيسية التي تواجه الإقليم

1 . إحدى التحديات الرئيسية التي تواجه اقتصاد الإقليم ، ضعف العقلية الإدارية في الإقليم خلال الـ 30 عام الماضية ، والتي كانت ولاتزال تدار من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، حيث لم يعمل الطرفان على بناء و تأسيس بنية تحتية للاقتصاد في الإقليم، بل انشغلوا بالصراعات السياسية و الحزبية والتي أدت لخلق اقتصاد ضعيف و مُهتر وعاجز عن مقاومة الصدمات.

2 .الاعتماد على مصدر واحد للدخل، إيرادات و اقتصاد الإقليم يعتمد بنسبة 90% على النفط، وهذا خطأ قاتل، في تسعينات القرن العشرين بدأت تزدهر الزراعة في الإقليم بشكل ملحوظ، ولكن بعد 2003 تلاشت و ذبلت تماماً ، بسبب استيراد المنتوجات الزراعية من الخارج (إيران ، تركيا) و غياب أي قانون لحماية المنتوجات المحلية والداخلية .

3 .الصناعة و الاستثمار وهما من العوامل الأساسية للنمو الاقتصادي، بدأوا بالظهور في الإقليم مع كمية هائلة من الفساد و الاحتكار ، ونتيجة لذلك فشلت هذين القطاعين المهمين و عجزا عن الوقوف والصمود امام المنافسين الأجانب ، وفي مقابل ذلك نجح الحزبان الحاكمان و شركاتهم و قياداتهم الحزبية في الاستحواذ على ملايين الدولارات تحت ظل هذين القطاعين ، دون ان يؤثر بشكل إيجابي على اقتصاد الإقليم .

الخطوات الإصلاحية الضرورية

1 .النفط : منذ سنوات ونحن نرى ضرورة الإصلاح في مجال النفط ، بسبب قدرة هذا القطاع على التأثير على الحاضر و مستقبل أي دولة أو كيان أو إقليم ، قطاع النفط في الإقليم غير شفاف، تم احتكار هذا القطاع من قبل عائلة سياسية واحدة و هناك غموض في إيرادات النفط و أقل من 30% من مجموع إيرادات النفط تدخل في خدمة المواطنين، وكمثال بسيط على ذلك هناك أكثر من 822 شركة أجنبية و محلية تعمل في مجال النفط دون أن تدفع أي واحدة منها الضرائب لحكومة الإقليم .

2 .الإصلاح في مجال المعابر الحدودية: المعابر الحدودية مصدر مهم للإيرادات و بإمكانها توفير مئات ملايين الدنانير للحكومة شهرياً، ولكن بسبب وجود الكثير من الشركات الحزبية و عمليات التهريب و جماعات المافيا ، فإن 30 إلى 35% من مجموع إيرادات المنافذ الحدودية تعود لخزينة الحكومة، حيث ان هناك معلومات تفيد بأن حجم التهريب في كافة المعابر الحدودية للإقليم يتجاوز 170 مليون دولار شهرياً .

3 .الايرادات الداخلية: تم تأسيس العديد من الشركات الحزبية التي تحتكر القطاع الخاص داخل الإقليم ، هناك أكثر من 406 باب لاستحصال الضرائب و الرسوم من المواطنين ، و غالبية هذه الأموال تذهب للشركات التي تعمل لصالح الأحزاب السياسية، دون أن تستفيد الحكومة من هذه الضرائب المفروضة على المواطنين و التُجار .

ضمان تحقيق هذه الخطوات

منذ عام 2009 تم إصدار أكثر من 4 قرارات و أوامر إدارية بخصوص الإصلاح ، و تشكيل العديد من اللجان لمتابعة العملية الإصلاحية ، ولكن دون الوصول إلى نتائج ملموسة ، حيث كانت هذه القرارات إما ضمن الوعود الانتخابية أو لتهدئة الشارع أكثر من كونها عملية إصلاحية حقيقية على أرض الواقع، وهذا الامر تسبب في فقدان ثقة المواطنين بالوعود الإصلاحية.

يجب أن تشمل الإجراءات الإصلاحية جميع الأطراف المتورطة في الفساد وتبدأ من الأعلى إلى الأسفل وليس العكس،  و يتم تقديم نتائج العملية بشكل واضح للرأي العام ليشعر المواطن بفعالية هذه الإجراءات وإعادة بناء الثقة بالمنظومة السياسية وإنهاء الشرخ الموجود، ومن الضروري أن لا يكون الانتماء الحزبي حصناً يحمي الفاسدين من المسائلة والمحاسبة كما هو الآن ،  إضافة الى الاستفادة من التجارب الدولية في مكافحة الفساد لمراقبة مراحل تنفيذ الإصلاحات و ضمان تحقيق الأهداف المرجوه و تجنب التجارب الفاشلة التي حصلت سابقاً في هذا المجال.

مخاطر تأخير الحزمة الإصلاحية الشاملة

ليس من المستبعد أن يتعرض كيان و وجود الإقليم إلى الخطر في حال تأخير او تأجيل الإصلاحات و التغييرات الضرورية لإصلاح الوضع الاقتصادي وخاصة بعد ظهور العديد من الأصوات التي تطالب بنقل رواتب الموظفين إلى بغداد ودفعها من قبل الحكومة المركزية بصورة مباشرة دون المرور بحكومة الاقليم ، فمنذ عام 2014 ، يعاني المواطن في الإقليم من ظروف معيشية صعبة ، والذي فرض عليه انفاق الادخار الذي جمعه بصورة تدريجية خلال الأعوام الماضية ، و الكثير من العوائل بدأت ببيع أثاث المنزل و الحاجيات الثمينة للإنفاق على عوائلها و الاستمرار في العيش ، وهذه الظروف القاسية تسببت في حدوث حالات الطلاق و تفكك العوائل و أثرت سلبياً على الوضع الاجتماعي في الإقليم .

ليس من المنطقي أن يحتكر حزبان رئيسيان إيرادات النفط و المعابر الحدودية و الإيرادات الداخلية بينما يكون المواطن محروماً من هذه الثروات وهو يشاهد زيادة الإيرادات دون ان يؤثر إيجابياً على الوضع الاقتصادي للإقليم او يحسن الوضع المعيشي للمواطنين.

Comments

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Popular stories

جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب

يعلن منتدى صنع السياسات - لندن IFPMC عن اطلاق مبادرة (جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب) في موضوع تأثير الجماعات والمليشيات المسلحة على التنمية الاقتصادية...

واقع التعليم الألكتروني في العراق و أهم التحديات

ا. م. د. ياسر علي ابراهيم شهدت السنوات الماضية تطورات علمية سريعة في تقنية  المعلومات والاتصالات مما جعل انتشارها وتطبيقها أمراً مألوفا وشائعا في العديد من...

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة شاهو القره داغي باحث في الشأن العراقي 27/4/2020           يعاني العراق منذ سنوات من العديد من المشاكل السياسية و الأمنية و الاقتصادية...