Home بيان رأي الممر ..الهند والبحث عن الطريق في الشرق الاوسط

الممر ..الهند والبحث عن الطريق في الشرق الاوسط

0
181

 

بيان رأي

( الممر)

الهند والبحث عن الطريق في الشرق الاوسط

د.رنا خالد

منتدى صنع السياسات العامة -لندن

IFPMC-LONDON

September 2023

 

مشروع الربط الشرق اوسطي والذي كان يعرف باسم  The India-Middle East-Europe Economic Corridor ، صار اليوم يعرف باسم  (الممر) الذي تم الإعلان عنه في قمة العشرين 2023 في الهند G20. انه ليس اختراع اللحظة ولكنه مشروع ضمن سلسلة من مشاريع الهند للربط العالمي.

الهند تهدف من خلال هذه المبادرات والمشاريع خلق مشروعها التنموي العالمي الذي يضمن لها مكانة مستدامة ضمن عمالقة الاقتصاد العالمي. ولكن الهدف الاخر المهم هو ان يكون لها مشروعها العالمي الذي يضمن عدم قدرة الصين من ان تتحكم كلياٌ بخطوط الامداد العالمي ،وتهيمن على تلك القوى والدول الأسيوية التي تريد هي الأخرى ان يكون لها مكانها في الربط العالمي ولكنها في نفس الوقت لا تريد ان تعتمد كلياُ على الدعم الغربي وتبحث عن قوى آسيوية كبرى تنافس قوة الغرب المهيمن اقتصاديا ًوجيو-سياسياً.

فشلت كل محاولات الصين لربط الهند ضمن مشروع الحزام والطريق على اعتبار قوة الهند التي سوف تمنح القوة والنفوذ للمشروع. الا ان الصين تدرك ان الهند تبحث عن مقعد مهم في نادي الكبار ومكان محوري في خرائط الجيو-إستراتيجية الدولية. وفي عام 2018 وخلال زيارة الرئيس الهندي ناريندرا مودي، حسمت الهند موقفها من مشروع الحزام والطريق الصيني وأعلنت ان هذا المشروع يحتوي على العديد من النقاط المحورية التي تمثل تهديداً للأمن القومي الهندي.

التعاون والتوافق الذي يجمع قادة الهند والصين في محافل التعاون العالمي والإقليمي لا تنفي ابداً حقيقة الصراع الهندي الصيني، ولكنها حتماً تؤكد مدى النضج الذي وصلت له تلك القوى الاسيوية ومدى تعمق خبرتها في إدارة الصراع العالمي وفهم أبعاده وحيثياته.

عموما مبادرات الهند للربط الدولي تهدف الى:

  • الهند تحاول جمع المعارضين التاريخيين للصين في اسيا
  • وكذلك تحاول انتهاز فرصة رغبة القوى الغربية في عرقة مشروع الحزام والطريق.
  • قيادة الهند العالمية للتنمية الدولية بما يساهم في خلق الفرص وتطوير قدرات الهند الصناعية والتجارية.

اهم مشاريع الربط الاستراتيجي التي أعلنتها الهند

المشروع الاول هو

الممر الاسيوي- الافريقي 

Asia-Africa Growth Corridor او ما يعرف ب AAGC

 

وهو مشروع طرح خلال قمة بنك التنمية الافريقي الذي عقد في كوجرات الهندية وكان الهدف منه ربط الهند واليابان وافريقيا.

 بالنسبة للهند كان مشروعاً واعداً حيث يجمع اسيا بأفريقيا عبر دول افريقية تعد من اغنى الدول الافريقية وأسرعها نمواً. الا ان المشروع تعرقل عبر السنوات ولم تنجح مهمة التواصل مع الدول الافريقية المستهدفة في المشروع الاصلي الذي تم تطويره من قبل:

 معهد البحوث الاقتصادية لرابطة امم جنوب شرق اسيا في جاكارتا

ونظام البحث والمعلومات للبلدان النامية في نيودلهي

 ومعهد الاقتصادات النامية في طوكيو

ومنذ ٢٠١٧ لم تتحدث الهند واليابان حول هذا المشروع اضافة الى سرعة النفوذ الصيني في افريقيا والذي قطع الطريق حتماً على هذا المشروع.

المشروع الثاني هو مشروع 

الجيران اولاً او ما يعرف بمشروع

 Neighbourhood First

 هذا المشروع يعد من أوائل مشاريع الرئيس الهندي ناريندرا مودي عند تسلمه الحكم في الهند 2014. سياسة (الجيران اولاً) تهدف الى ربط الهند بجوارها من دول جنوب اسيا الصغيرة عبر مشاريع ربط برية وبحرية إضافة الى تطوير البنى التحتية اللازمة لهذا الربط.

وفعلاً نجحت هذه السياسة في ربط الهند مع العديد من جوارها الاسيوي حيث استثمرت للربط مع مملكة البوتان وكذلك قدمت الهند تمويلاُ سخياً لكل من افغانستان وسيريلانكا وبنغلادش

ولكن ايضاً تعثرت مبادرة (الجيران اولاً) حيث سرعان ما اصبحت ماينمار والمالديف والنيبال وسيريلانكا ضمن النفوذ الصيني وسرعان ماتم استبدال مشاريع الربط وتطوير الموانئ بالتمويل الصيني.

اما أفغانستان فقد كانت نقطة واعدة للهند الى ان تسلم طالبان للحكم في أفغانستان بدد كل الجهود الهندية التي تم بذلها خلال العشر سنوات الأخيرة.

المشروع الثالث هو 

مشروع شمال – جنوب 

International North – South Transportation Corridor (INSTC)

في سبتمبر عام 2000 وقعت نيودلهي قرار إنشاء ممر نقل دولي بين الشمال والجنوب يهدف لتعزيز ربط الهند بالأسواق الأوروبية. بطول 7200 كيلومترًا يبدأ المرر من مومباي مرورا إلى ميناء بندر عباس الإيراني. ومن هناك ستصل السكك الحديدية إلى باكوالأذربيجانية ومنها إلى أستراخان في روسيا. وسيمتد الممر إلى موسكو وينتهي في سان بطرسبرغ.

الخط يتكون من:

-نقطة مومباي في المحور الجنوبي للطريق.

-نقطة بندر عباس في إيران عبر البحر. بندر عباس هي مدينة ساحلية مترامية الأطراف على الساحل الجنوبي لإيران، على الخليج الفارسي. تحتل موقعا استراتيجيا على مضيق هرمز الضيق.

– نقطة بندر عباس إلى بندر أنزلي برا في البر الرئيسي الإيراني. بندر أنزلي هو ميناء إيراني آخر، ولكن على جانب بحر قزوين.

– نقطة بندر أنزلي إلى أستراخان بالسفينة عبر بحر قزوين. أستراخان هو ميناء بحر قزوين في الاتحاد الروسي. تقع المدينة على ضفتي نهر الفولغا.

– نقطة من استراخان إلى مناطق أخرى من الاتحاد الروسي، وكذلك إلى أوروبا بواسطة السكك الحديدية الروسية.

هذا المشروع كان يعتبر جوهرة مشاريع الهند وراهنت إيران على هذا المشروع الا ان مشروع شمال جنوب يعاني من مشاكل جيوسياسية عميقة:

– حرب روسيا التي عقدت الوضع في ورواسيا

– مشكلة اعادة تمكين وتطوير سكك الحديد الايرانية التي تعاني من مشاكل بنيوية وجغرافية تحتاج استثمارات دولية ضخمة لإعادة البناء والتطوير.

– ان الصين دخلت على هذا المشروع وفككت تحالفاته حيث ان موسكو تميل الى الصين أكثر من ميلها الى لهند.

– كما ربطت الصين إيران باتفاقية التعاون الاستراتيجي الطويلة الأمد التي جعلت من الصين صاحبة نفوذ مهم في مشاريع التنمية الإيرانية.

المشروع الرابع هو 

مشروع طريق العربي المتوسط  

The India-Middle East-Europe-Economic

 

او ما يعرف اليوم ب مشروع (ممر) 

هذا المشروع الذي تم الإعلان عنه في قمة مجموعة العشرين 2023 لم يكن مفاجئة، بل هو أحد تلك المشاريع التي سبق ان طرحتها الهند مطلع الالفية وكانت من اعقد المشاريع وربما شبه مستحيلة بسبب تعقد العلاقات في الشرق الأوسط وخاصة علاقات العرب مع عدوهم التاريخي إسرائيل.

ولكن اول خطواتها العملية بدأت في 2017 حيث وقعت الهند 14 اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة (CSP) مع الإمارات العربية المتحدة، ثالث أكبر شريك تجاري للهند وجار بحر العرب. كان من بين اتفاقيات CSP ثلاث اتفاقيات عالجت الأولويات الغذائية الاستراتيجية للهند من خلال إنشاء أطر تعاون إماراتية هندية في تجهيز الأغذية، والنقل البحري، ولوجستيات الشحن والتخزين. هذه الاتفاقيات بمثابة نقطة انطلاق لتطوير الإمارات العربية المتحدة للبنية التحتية اللوجستية والتوزيع، وهي الجذور الأولية للمشروع الذي انبثق اليوم في قمة العشرين المعروف ب (الممر).

تطورت الفكرة التي كانت روادها الهند والامارات العربية المتحدة في قمة «I2U2» في 14 يوليو 2022، او ما عرف ب (Middle East Quad) او القمة الرباعية وهي أول اجتماع لرؤساء حكومات الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة. حيث ظهرت فكرة انشاء ممر لنقل الغذاء والموارد الأولية يضم الهند والشرق الأوسط برعاية الولايات المتحدة الامريكية.

فعلياً أدت ديناميكية صناعة القرار في الامارات العربية المتحدة وقدرتها على تخطي حواجز التاريخ والجغرافية والصراع في الشرق الأوسط الى تحويل هذا المشروع الى واقع ممكن الحدوث.

استمرت عملية تطوير مشروع ربط الهند بالشرق الأوسط خلال أشهر من الدبلوماسية الفاعلة التي اثمرت عن توسيع دائرة الدول التي تشارك في هذا المشروع والتي كان من الصعب تخيل قبولها عملية الربط الدولي التي تشمل إسرائيل. الا ان الخطوات التي بدت بطيئة سرعان ما أصبحت حقائق جديدة في خارطة الشرق الأوسط. ففي عام 2018 وخلال زيارة تاريخية قام بها الرئيس الهندي ناريندرا مودي الى الرياض، وافقت المملكة العربية السعودية على منح شركة طيران الهند الموافقة على تشغيل رحلات مباشرة من دلهي الى تل ابيب عبر المجال الجوي السعودي. هذه الخطوة عدت ليس فقط دليلاً على قوة علاقات الهند بالقوى الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط، بل كانت دليل على ان قادة الشرق الأوسط هم جيل جديد لديه رؤية متقدمة وعميقة في فهم ابعاد التنمية العالمية وشروطها.

وبالتالي تم البناء على تلك الخطوات الصغيرة المتلاحقة وجعلها خطوط لخارطة جيواستراتيجية جديدة للمنطقة، قادت الى إنضاج مشروع ربط الهند بالشرق الأوسط وصولاً الى أوروبا.

فعلياً مشروع (الممر) يعد فرصة استراتيجية سوف تغير طبيعة النقل الاستراتيجي بين اسيا وأوروبا، وإذا تحقق هذا المشروع فعلاً فأنه حتماً سوف يغير حتى نمط العلاقات بين دول هذا (الممر). انه يعد اليوم قمة من قمم نجاح مشاريع الربط الاستراتيجي التي حلمت بها الهند والتي سوف تكون نواة لقوتها الاستراتيجية ونفوذها العالمي. وحتماً سوف يكون مشروعاً منافساً بشراسة مع مشروع الصين الحزام والطريق.

ولكن الألغام والمعرقلات والتغييرات غير المحسوبة هي طبيعة ملازمة لمنطقة الشرق الأوسط وبالتالي لا يمكن توقع ثبات خرائط الربط الاستراتيجي بصورة قاطعة.

فالصين تمتلك نفوذا متزايد وعميق في الشرق الأوسط وسوف تحاول ان تقاطع طرق النقل وعلاقات السياسة والاقتصاد في الدول التي تمر عبرها.

والولايات المتحدة لا تزال تعاني من إشكالية تراجع النفوذ والتأثير في المنطقة وهي تحتاج الى تجاوز العديد من الاثار السلبية لسياسة البيت الأبيض الرديئة التي أضرت بعلاقات واشنطن مع حلفاءها التاريخيين في المنطقة.

و اعمدة السلام في الشرق الاوسط خاصة تلك التي تم تشييدها في السنوات القليلة الاخيرة، لاتزال هشة وتحتاج الى سنوات من الاستقرار المستمر لكي تثبت قدرتها على التفاعل المنتج . ولا احد يستطيع قياس مدى الضغوط التي سوف تنتجها هذه المشاريع الاستراتيجية على ساحة الشرق الاوسط وما اذا كانت اعمدة التسويات والعلاقات متينة بما يكفي لتحمل سكك وموانئ وخطوط نقل صلبة لا تهتم بالصراعات التاريخية العميقة.

كذلك الهند نفسها تحتاج الى ان تغير من أنماط التعاطي مع التفاصيل والحساسيات الثقافية والدينية التي تجعلها قادرة على ان تكون شريكاً مقبولاً بصورة مستدامة في الشرق الأوسط. حيث ان تعاملها مع المسلمين في الهند وهشاشة علاقاتها مع باكستان كلها عوامل تعقد من دور الهند في الشرق الأوسط.

NO COMMENTS

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here