Home Arabic الفاضل و الموهوب : عقدة تشكيل الحكومة العراقية

الفاضل و الموهوب : عقدة تشكيل الحكومة العراقية

0
1434

الفاضل و الموهوب : عقدة تشكيل الحكومة العراقية

د منتصر العيداني

اكاديمي و باحث سياسي

تواجه عملية اختيار رئيس مجلس الوزراء في العراق بعد استقالة حكومة السيد عادل عبد المهدي , تحديات عديدة , لعل من ابرزها تحديد معايير اختيار المكلف , و الاتفاق على تلك المعايير , لتكليف شخصية تشغل المنصب التنفيذي الاول – عمليا – في النظام العراقي , واذا كان الحراك الاحتجاجي قد طرح معايير عديدة لمن يعهد له بهذه المهمة الشاقة , الا انها معايير غير متوفرة عمليا في اغلب النخبة السياسية و غير السياسية من القيادات ( الادارية و الاكاديمية و القضائية ) التي تأثرت بشكل او باخر بمعايير المحاصصة الحزبية , كما ان من غير العملي بداهة كذلك اختيار اي شخصية للمنصب التنفيذي الاهم لمجرد انها تحمل مؤهلا علميا متقدماً كأن يكون بروفيسور في اختصاص علمي

فضلا عن ذلك فأن الحراك الاحتجاجي لم يأخذ في الاعتبار عند وضعه لمعايير اختيار المكلف مشاكل السياسة العراقية الشائكة , و الظروف الصعبة التي اصبحت عويصة لاحقا مع تصاعد التحديات الكبرى امام النظام السياسي , لاسيما العجز الكبير اساسا في الموازنة العامة التي لم تمرر  حتى الان بسبب استقالة الحكومة , هذا العجز الذي قد يتحول الى انهيار اقتصادي في حال استمرار هبوط اسعار النفط , كما تأزم موقف الحكومة بعد قرار البرلمان العراقي باخراج القوات الامريكية من العراق , ثم التصاعد الخطير للموقف اثر عمليات القصف المتبادلة بين الفصائل المسلحة و القوات الامريكية . يضاف لذلك تصدعات عميقة في التوافقية السياسية و تشظي القاعدة الحزبية للائتلافات البرلمانية , و انقسام السلطة القضائية في العراق بين مجلس القضاء الاعلى و المحكمة الاتحادية على خلفية خلافات كان اخرها تفسير المحكمة الاتحادية للمادة الدستورية الخلافية ( 76 ) و الاقرار بصلاحية رئيس الجمهورية في التكليف الثاني

مع كل ماتقدم لازالت قضية معايير اختيار المكلف العقدة الابرز لتشكيل الحكومة , و التي لازالت محل جدال و تنازع بين الكتل السياسية , و اذا ما اردنا اعادة توصيف و اختزال تلك المعايير , فأنها تنحصر بين معيارين اساسيين هما ( الفاضل) و ( الموهوب ) , ذلك ان الاول يختزل الى حد اساسي العنوان الابرز لمعايير الحركة الاحتجاجية مع اقرارنا بأختلاف شروط تلك الفضيلة , بينما يعبر  الثاني عن المعيار العملي لتولي المنصب الاهم في ظروف شائكة اشرنا لها سلفا بأقتضاب , بما يؤدي الى تجاوز عوامل الفشل والاخفاق المزمنة ولو نسبيا, وربما يحقق بذلك جانبا من متطلبات النظام القائم على توازنات معقدة , و يحلحل جزءا من اشكالياته المستعصية

عليه يمكننا تطبيق تلك المعيارين على الشخصيتين اللتين كلفهما رئيس الجمهورية للمنصب , ابتداءا بالمكلف السابق السيد محمد توفيق علاوي , الذي تتفق الكثير من الاراء على انه شخصية نزيهة و صادقة و ذا التزام حقيقي , الا انها كما تتفق كذلك اراء عديدة شخصية تفتقر الى المهارات السياسية اللازمة لادارة نظام سياسي مرتبك و مأزوم بنيويا فضلا عن انه يمر بمرحلة من اصعب مراحل الانسداد السياسي  ,  و كانت تلك الصفتان وراء اخفاقه في نيل ثقة الكتل السياسية  التي لا ترغب العديد منها كما لا ترى بعضها املا في فضيلة مبدئية لا تتسم بالمداراة اللازمة وسط مستنقع فساد واسع , كما انه بالمقابل لم يظهر قدرة عالية على المناورة و الاحتواء و المداهنة -غير المحرمة على الاقل- وسط تقاطعات سياسية حادة

اما المكلف الجديد السيد عدنان الزرفي فهو على العكس تماما من المكلف الاول , , ما تشي عنه سيرته و اراء العديد من المتابعين , و يمكن ان ينطبق عليه وصف ( الموهوب ) سياسيا , فقد اعتبرت كتلة تحالف القوى العراقية الذي يرأسه رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي بأن الزرفي “يعي جيدا” – حسب وصفها – ما يحتاجه العراق، وذلك بحكم تجاربه السابقة , اما كتلة سائرون فقد فضلت موقف الحياد , و طالبت المكلف بإقناع القوى السياسية برؤيته في تقديم البرنامج الحكومي. رغم وجود تسريبات تشير إلى دعم الصدر للمكلّف , و أيدت بعض القوى الكردية تكليف الزرفي , الا انه الموقف الكردي عموما يرتبط بالحصول على الاستحقاقات السياسية, بينما كان اعتراض كتلة الحكمة على الية التكليف و ليس المكلف , و في سياق يبدو مقاربا شكلا الا انه يختلف مضمونا ,  اعترضت قوى رئيسية من تحالف الفتح على”منهجية” تكليف رئيس الجمهورية لعدنان الزرفي، دون أن تبدي أي تحفظات سياسية أو مهنية تجاه الزرفي نفسه

كما ان الزرفي اكد في كلمته الاولى بعد التكليف على اجراء انتخابات مبكرة حرة بعد عام من تشكيل الحكومة , و محاسبة السؤولين عن الانتهاكات ضد المتظاهرين , وحصر السلاح بيد الدولة ، وفرض سلطة الدولة. وتعهد باعتماد سياسة خارجية تبعد العراق عن الصراعات الإقليمية والدولية. و هي مطالب نادى بها الحراك الشعبي , و قد تمثل نوعا من الحنكة السياسية , يستكمل بها صفة ( الموهوب). و مصدرا يستعين به للمناورة السياسية في جزء من تلك التعهدات . ذلك ان العديد من تلك التعهدات اذا اخذت على اطلاقها تعد غير واقعية ازاء حكومة انتقالية لعام واحد كما الزم المكلف نفسه , وكما تشترط قوى عديدة شعبية و سياسي

رغم ماتقدم فأن السيد عدنان الزرفي امام مفترق طرق صعب , اذا لازال عاجزا عن تأمين الغطاء الشيعي اللازم لنيل الثقة , بينما اعلنت عدد من قوى البناء جاهزيتها لاسقاط الزرفي و ترشيح بديل عنه , الا ان البيت الشيعي لم يستطع الوصول لحد الان الى موقف حاسم نظرا للانقسامات العميقة بين اطرافه . الامر الذي قد يستطيع الزرفي توظيفه بنجاح اذا ما كان موهوبا بالحد الكافي لادارة الازمة

عليه فأن المكلف الثاني يعد اقرب من للمهمة من سلفه بمعيار الموهبة بالدرجة الاساس , رغم ان البعض يرى أن مسار تكليف الزرفي قد لا يختلف كثيرا عن مسار سلفه محمد توفيق علاوي , و ان المطلوب من قبل العديد من قوى البيت الشيعي و من يتماهى معها من بقية المكونات هو مجرد بيدق يتم تحريكه من قبل اللاعبين على رقعة الشطرنج السياسية

NO COMMENTS

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here