التنمية الاقتصادية سبيل السلام والأستقرار.. اعادة ترتيب الأولويات في العراق  

Related Articles

التنمية الأقتصادية سبيل السلام والأستقرار

 اعادة ترتيب الأولويات في العراق

د.رنا خالد* 

رئيسة الباحثين والمدير التنفيذي IFPMC-LONDON

March 2021

مقدمة

الصراعات وهشاشة الامن والاستقرار السياسي هو المهدد الأول لعملية التنمية في أي بلد من البلدان. والعراق ليس البلد الوحيد الذي تتخبط فيه خرائط العلاقة بين الاقتصاد والسياسية والامن وتؤثر تلك التعقيدات على مسيرة التنمية الشاملة فيه. ولكن الواقع ان السؤال الجدلي في العراق بعد 2003 كان ولازال مطروح بقوة هو هل الامن هو الأولوية  لبناء السلام والاستقرار ام ان الأولوية هي في احداث التنمية الاقتصادية سبيلاً الى بناء السلام والاستقرار. وبينما لايزال العراق لم يحسم اجابته في هذا المجال تتداعى الأنظمة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في العراق وتخسر معها ثقة المجتمع الدولي الذي يعتبر الشريك الاساسي في عملية إدارة السلام والاستقرار.

العراق لايزال بلد غير مستقر ولا يزال يعاني من خطر الصراعات وهشاشة السلم على الرغم من حجم الانفاق على الامن والدفاع في العراق عبر السنوات الماضية مقارنة بحجم الانفاق الضئيل نسبياً على التنمية الاقتصادية و الاستثمار والبنى التحتية .

وبالتالي على السياسات الحكومية ان تعيد ترتيب الأولويات لصالح الاليات الاقتصادية التنموية.

اليات التنمية الاقتصادية المعززة لبناء ساعدت العديد من دول العالم التي تعاني من مشاكل الاستقرار وتأثيره على التنمية الاقتصادية. و الكثير من هذه الاليات أحدثت نقلة نوعية في حجم التنمية الاقتصادية وساهمت في خفض مخاطر الصراع وقدمت حلول عملية فعالة وذات جدوى كبيرة في ترسيخ الامن وديمومة واستمرارية الاستقرار وبناء السلام. وبالتأكيد ان هذه الخطط والاستراتيجيات لا يمكن تحقيقيها بالاعتماد على الجهود الحكومية فحسب بل احتاجت العديد من تلك الحكومات الهشة الى الدعم الكامل من قبل المنظمات والمؤسسات الدولية الاقتصادية والى ادراجها ضمن برامج طويلة المدى للإصلاح والانتعاش الاقتصادي. سوف نركز على ثلاث اليات رئيسية يمكن للعراق ان يطور اصلاحاته التنموية بالاستفادة منها.

اولاً حالة الاستقرار والامن في العراق

على الرغم من مرور اكثر من 17 عام من الحرب على العراق 2003 والتي كان شعارها الأساسي إعادة الاستقرار والامن الأعراق بعد فترة من الحروب والصراعات الطويلة .العراق ايضاً أولى موضوع الامن والدفاع الأولوية في الانفاق منذ 2003 والى حد الان حيث ترتفع مخصصات القطاع الأمني في موازنة 2021 بصورة قياسية مقارنة بموازنة 2019 حيث ترتفع الرواتب المخصصة لبعض الجهات الأمنية مثل قوات الحشد الشعبي على سبيل المثال  حيث بلغ حجم الانفاق على الامن في موازنة هذا العام 2021  بمجملها 27.617 تريليون دينار (18.7 مليار كما أن الموازنة تضمنت طلب قروض من جهات دولية لتسليح هذه من (1.1 مليار دولار امريكي ) في موازنة 2018 الى (2.6 مليار دولار )عام 2019 وصولاً الى (2.6 مليار دولار امريكي) في العام الحالي 2021[1].الانفاق على المؤسسات الأمنية بمجملها ، تتجاوز قيمته 600 مليون دولار خلال عام 2021، ليبلغ الإنفاق العسكري نحو 16.6 في المئة من الإنفاق العام للبلاد[2].ولاتزال اللجان المالية التابعة للبرلمان العراقي تقدم التوصيات بضرورة زيادة التخصيصات المالية للأجهزة الأمنية وزيادة الدعم المقدم من خلال زيادة التسليح والتجهيز وادراج ذلك في مشروع الموازنة 2021[3].علماً ان التقارير الدولية تؤكد ان العراق سيكون سوق مستقبلية للأسلحة بسبب اتساع الميزانية والانفاق الحكومي على هذا القطاع وان حجم هذا السوق سوف تصل الى 5.5 % من السوق العالمي عام 2024[4].

  وعلى الرغم من حجم الانفاق الحكومي بالإضافة الى تشكل شبكة واسعة من الفاعلين والشركاء الدوليين الذين اخذوا على عاتقهم مهمة إعادة تأهيل الامن والاستقرار في العراق الى ان هذه الجهود يبدوا انها لم تثمر في إعادة الاستقرار الى العراق او استدامة السلام فيه. فالعراق لايزال من الدول الخمس الأقل امن واستقرار في العالم منذ 2015 وفق مؤشر الاستقرار العالمي 2020 حيث احتل المرتبة 161 منخفضاً بمرتبة واحدة عن العام 2019  ومحققاً 3.487 نقطة في حين استقرت اليمن التي تندلع فيها الحرب منذ سنوات في المرتبة 159 محققة 3.411[5].

( الشكل رقم 1)

 كذلك وعلى الرغم من انخفاض ضحايا الهجمات الإرهابية في العراق الا ان البلد لايزال يحتل المرتبة الثانية في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2019 منخفضاً مرتبة واحدة عن 2018 حيث كان يحتل المرتبة الأولى في هذا المؤشر محققاً 9.241 نقطة[6].

الشكل رقم 2

ومن ناحية الامن الاقتصادي والبيئي الذي يشمل الامن الغذائي والصحي والفقر والكثافة السكانية والهجرة والنزوح وتأثيراتها على الامن والاستقرار فان العراق يقع ضمن العشر دول الأولى في مؤشر التهديدات الايكولوجية التي تؤثر على الامن والسلم العالمي [7].

الشكل رقم 3

جوناثان فريدمان، عالم الأنثروبولوجيا الأميركي يجادل في إن الوضع الحالي للنظام الدولي معقد للغاية. العالم هو واحد “حيث الاستقطاب، الرأسي والأفقي” الا ان دول كثيرة تعاني من صراعات العقائد والاعراق وهو يفاقم العنف داخل تلك الدول ويجعل الامن فيها مرض مزمن فالحروب داخل هذه الدول لم تعد بين دولتين بل انها بين جماعات ما دون الدولة وهي جماعات مستقلة من حيث التمويل ومترابطة عبر الحدود وتتفوق في كثير من الأحيان على حركة الدول[8].  مقاربة ( فريدمان) تؤكد حالة الاستقرار والامن في العراق هو عبارة عن مرض شبه مزمن وفي كثير من الأحيان تبدو الحلول الحكومية عاجزة عن حل لغز اكبر من قدرتها بكثير فالعراق لم يعد دولة مغلقة ومحكمة بقوة الحكم الواحد المحدد لعقيدة الجيش والامن الداخلي، انه ومنذ 2003 دولة مفتوحة الحدود السياسية والأمنية واقع ضمن منطقة تجاذبات جيوستراتيجة تحكمها قوى دولية وإقليمية متقاطعة المصالح ولا يمكن العودة الى زمن السيادة المفروضة بالقوة العسكرية الخاضعة لرئيس الجمهورية او رئيس الوزراء هذا الامر لم يعد ممكناً في ضل العراق الفدرالي التعددي الذي تتوزع السلطة فيه بين الكيانات السياسية التي تتداول الحكم غير المستقر.

ثانياً:  الاقتصاد يعزز الامن

النزاعات وعدم الاستقرار لهما تأثير كبير على التنمية الاقتصادية في منطقة ما وتيار كبير من الباحثين يثبتون ان التنمية لا يمكن ان تتحقق مع وجود أزمات الامن وعدم الاستقرار، كما ويجادلون في ان الدول التي تعاني من أزمات الامن  كثيرا ما تستغرق سنوات للتعافي من حالات الحرب الأهلية والإرهاب وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. وقد أدى تصاعد الصراع ، لا سيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى دعم اراء هذا التيار من الباحثين والدارسين في العلاقة بين الصراع والتنمية الاقتصادية والذين يثبتون وجود “رابطة سلبية قوية بين الصراع والتنمية الاقتصادية” [9]. ومع ذلك، فإن ما يجعل تحليل هذه العلاقة أمراً صعباً هو أن العكس يمكن أن يكون صحيحاً بنفس القدر، حيث أن الاقتصاد قد يلعب دور في تحسين الوضع الأمني وإعادة الاستقرار وتثبيت اسسه بمعنى أنه يحشد الموارد الوطنية من أجل الطاقة الإنتاجية الكاملة والتي تلعب دور كبير في الاستقرار وترسيخ الامن حتى ولو بنسب بطيئة ولكنها افضل من حالة الجمود او التدهور التي تتصاعد مع انهيار التنمية الاقتصادية.

الباحثين الكلاسيكيين او أصحاب نظرية النمو الكلاسيكية (neoclassical growth theory) هؤلاء يرون ان بعض الدول يمكن ان يتعافى فيها الاقتصاد بصورة سريعة بعد الصراعات والحروب وان التعافي السريع سوف يقودها الى العودة الى مستوياتها افضل حتى من فترات ما قبل الصراع وعدم الاستقرار التي مرت بها وذلك بأحداث تنمية شاملة وهم يضربون مثل اليابان وألمانيا وفيتنام [10].

ولكن دراسات أخرى ترى بان النظرية الكلاسيكية لا يمكن ان تصح مع دول يتعايش الصراع فيها مع الأداء المؤسساتي الضعيف ففي مثل هذه البلدان تكون القيود الهيكلية عائق أساسي لاي عملية انتعاش خاصة مع ضعف وفساد المؤسسات ومحدودية الموارد وانخفاض مستويات راس المال البشري [11]. الا ان (كريستوفر بلاتمان ) عالم الاقتصاد والسياسة, يجادل بان “الأنظمة الضعيفة المدعومة من قوى أجنبية، أو الفصائل المتحاربة التي تتوغل في الحياة السياسية في ظل توازن غير مستقر, يمكن أن تقلل من مناخ التنمية والاستثمار”[12]. ولكن قيام الحكومات والمؤسسات بإعادة السيطرة التنمية الاقتصادية وتوسيع الانفاق والدعم للاقتصاد ساعد دول مثل اوغندا في منتصف الثمانينات ورواندا في نهاية التسعينات من التعافي الاقتصادي حتى وان كانت هذه الحكومات ليست ديمقراطية بصورة كاملة وحتى وان لم تحدث سيطرة كاملة على السيادة والامن الا ان الواقعية في إدارة التنمية الاقتصادية قادت الى احداث الاستقرار وبناء السلام افضل بكثير من نماذج أخرى مثل ساحل العاج الذي لايزال الانفاق على التسليح ودعم المؤسسة العسكرية يطحن البلد في اتون الحرب [13].

وعليه يجب ان تكون التنمية الاقتصادية في العراق إحدى الاستراتيجيات الرئيسية للمساعدة على زيادة معدل الانتعاش, وهي الاستراتيجية التي تم اتباعها في الدول التي تعاني من هشاشة الامن والاستقرار السياسي. وهي كذلك أسلوب من أساليب الإنجاز الناجح للنمو الطويل الأجل، الذي يقترن بإصلاحات اقتصادية تعود بالفائدة على مختلف أطياف الشعب وإعادة بناء المؤسسات وهياكل التنمية الاقتصادية التي توزع الثروة على بصورة سليمة على مختلف قطاعات المجتمع [14].

ثالثاً: ادوات التنمية الاقتصادية المعززة للأستقرار والأمن 

1-بناء المؤسسات

انها عملية أساسية في التنمية الاقتصادية حيث ان المؤسسات القوية التي تدير وتحافظ على البنية التحتية والموارد الوطنية هي عنصر أساسي لتحقيق الاستقرار وضمان استمرارية التنمية الاقتصادية [15]. فإعادة هيكلة المؤسسات في الدول التي تعاني من هشاشة الاستقرار هو امر غاية في الأهمية, خاصة وان معظم تلك المؤسسات تكون قد تعرضت لاضرار بالغة من جراء تداعيات الصراعات وحالة عدم الاستقرار. وإعادة بناء المؤسسات لتصبح اكثر فعالية في التنمية الاقتصادية يتم على ثلاث مستويات [16]:

-المستوى الكلي Macro-level

والذي يشمل إعادة بناء المؤسسات على أسس اقتصادية عمادها الأساسي :

  • مراعاة مستويات دخل الفرد
  • اشكال النشاط الاقتصادي المختلفة
  • قابلية التجارة والاستثمار
  • الفروقات النوعية والاثنية والعرقية واثرها في قوى الإنتاج

 

-المستوى الوسطي Meso-level

وهو يشمل تقوية المؤسسات القائمة من خلال :

  • مكافحة الفساد ووضع أسس إدارة المؤسسات وفق اقصى دراجات الشفافية خاصة ما يتعلق بأنظمة الادارة والتشريعات والتنظيمات التي تدير المال العام .
  • دور الإدارة المالية العامة في رسم اهداف واستراتيجيات هذه المؤسسات التنموية ودور الاستثمار الأجنبي المباشر في تمويل مشاريع هذه المؤسسات.

-المستوى الجزئي Micro-level

في هذا المستوى يتم التركيز على أداء المؤسسات والذي يلعب دور كبير في التنمية الاقتصادية وبناء أسس الاستقرار ويشمل :

  • قدرة المؤسسات على التطور والنمو بحيث تصبح قادرة على خلق الوظائف وتطوير الأداء والتحديث بحيث يستوعب المستجدات والنمو السكاني .
  • ايضاً قدرة المؤسسات على تحقيق التوازن والعدالة في الفرص بين مختلف شرائح الناس ومختلف الأقليات والاعراق دون تمييز والحفاظ على اقل قدر من التفاوت في توزيع الثروات.

2-إستراتيجيات التنمية المستدامة

انها عبارة عن مجموعة من الخطط والنماذج التنموية التي اعتمدها المنظمات الدولية لأحداث الفرق في واقع ومستقبل الدول الفقيرة والهشة والمعرضة لمخاطر الصراعات من خلال بناء تنمية شاملة ومتكاملة، ومن الأهداف الرئيسية لاستراتيجيات التنمية المستدامة تعزيز القدرة الاقتصادية والامكانيات التنافسية الاقتصادية لمنطقة ما عن طريق تشجيع الاستثمار، وأفضل ما يمكن تحقيقه عندما يتم دمجه مع استراتيجيات الحكومات المحلية[17]. إضافة الى برنامج الأمم المتحدة للتنمية المستدامة او ما يسمى  SDGsاو الأهداف العالمية ( Global Goals)[18], وضع البنك الدولي استراتيجية يمكن للحكومات اعتمادها لتحفيز الانتعاش الاقتصادي والنمو. وتسمى هذه الاستراتيجية استراتيجية التنمية الاقتصادية المحلية (LED)[19].

وفي حين أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف تحديداً التعافي من الصراعات، فإن مبادئ المبادرة يمكن أن تستخدم لتعزيز التنمية الاقتصادية على المستوى الداخلي في سياقات مختلف. تم تصميم استراتيجيات LED لتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة في الدول التي تعاني من هشاشة الاستقرار فيها وتهدف الاستراتيجية إلى بناء علاقات تعاونية بين القطاعين العام والخاص وغير الحكومي من أجل تحفيز التنمية الاقتصادية. استراتيجية ال (LED) يتميز بانه برنامج واسع النطاق للنمو الاقتصادي، ويجمع بين نظام التطوير وبين التخطيط العمراني والتخطيط البيئي وتطوير الأعمال وتوفير البنية التحتية والتمويل والتسويق على مستوى الحكومة والقطاع الخاص[20].

الشكل رقم 4

                                          المصدر: (World Bank: LED)

عموماً هذه الاستراتيجيات سواء التابعة للأمم المتحدة او التي قدمها البنك الدولي توفر للحكومات خطط عمل استراتيجية تحل محل عجز التخطيط والارتباك الذي يرافق التغيرات السياسية المستمرة والتي يمكن ان تخلق فراغ اقتصادي خطير.

3- القطاع الخاص وبيئة الاعمال

القطاع الخاص نقصد به جميع المؤسسات والمنظمات التي لا تشكلها الدولة ولا تتدخل في ادارتها الحكومات بل تدار من قبل الافراد، وهي قد تكون شركات كبيرة او صغيرة محلية او عابرة للوطنية ذات اهداف ربحية وتجارية اوقد تكون منظمات ومؤسسات غير ربحية خاصة تهدف الى خدمة وتطوير المجتمعات المحلية [22]. وعلى الرغم من إن قطاع الأعمال والقطاع الخاص لديه القدرة على تقديم إسهامات كبيرة في بناء السلم والاستقرار وتحفيز التنمية الاقتصادية في الدول التي تعاني من هشاشة الاستقرار السياسي ومع ذلك، نادراً ما تشمل اتفاقات السلام او مؤتمرات المصالحة الوطنية وتثبيت الاستقرار القطاع الخاص بوصفه أحد أصحاب المصلحة الرئيسيين.

ميشا فوينوف (Misha Nagelmackers-Voïnov) وهي عضو في مركز جنيف للسياسات الأمنية وابرز من ناقش دور القطاع الخاص في بناء الاستقرار ترى بان غياب القطاع الخاص يشكل عائق في بناء الاستقرار وتحقيق التنمية الاقتصادية وهي ترى ان ضعف القطاع الخاص كانت من اهم عوامل انهيار الامن والاستقرار وشلل التنمية الاقتصادية في الدول والمناطق التي مزقتها الحروب والصراعات مثل جنوب السودان والصومال وبابوا غينيا الجديدة وليبريا [23]. انها أيضا تجادل في ان اتفاقيات بناء السلام ركزت على إعادة بناء القوات المسلحة وأجهزة الامن وأنظمة السياسة والحكم ولكنها اهملت تماماً تقديم الدعم للقطاع الخاص وتلك الشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن ان تخلق التوظيف وتعيد الاستقرار للأسواق وتبني فرص للاستثمار وتطوير المجتمعات سواء عبر الصناعة او الزراعة او التجارة [24].

في العراق عانى القطاع الخاص من التهميش سنوات طويلة حتى اثناء فترات الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي ضلت أولويات الدولة مقتصرة على دعم القطاع العام او المختلط وضلت الدولة ذات الاتجاه الاشتراكي تهمل القطاع الخاص وتجعل منه قطاع فقير في النمو وعاجز عن المساهمة الحقيقية في الإنتاج ومحاط بشبه الاستغلال والانتهازية. اما بعد عام 2003 ورغم تغير فلسفة إدارة الدولة والفلسفة الاقتصادية للعراق وتحوله الى نظام السوق المفتوح الا ان القطاع الخاص ضل يعاني من العجز عن المساهمة الفاعلة في التنمية حيث بلغ اجمالي حجم القطاع الخاص في تكوين رأس المال الثابت[25] لعام 2017 2.9 ترليون دينار وبنسبة مساهمة قدرها 18.7 % مقابل مساهمة القطاع العام في تكوين راس المال الثابت التي بلغت 51%.[26]

الا ان مشاكل القطاع الخاص في العراق لم يكن مصدرها فلسفة الحكم او النمط الاقتصادي القائم بل تراكمت العديد من المعوقات التي تحد من دور هذا القطاع المهم في التنمية الاقتصادية ومن ابرزها :

  • مشاكل البنية التحتية
  • تعطل التنظيمات والتشريعات
  • ازمة الفساد وانعدام الشفافية
  • انفصال دورة التنمية عن تغذية هذا القطاع
  • مشاكل القطاع المالي في العراق

مقابل هذه المشاكل فان هنالك العديد من الحلول التي يمكن استخدامها لتحسن واقع القطاع الخاص في العراق وجعله يؤدي دور أساسي في عملية بناء السلام والتنمية الاقتصادية. من اهم هذه الحلول :

  • إعادة هيكلة القطاع الخاص ليصبح اكثر استيعاب وتكامل مع متطلبات التنمية واكثر استيعاب لسوق العمل المتنامي في العراق يمكن ان يقدم حل أساسي لمشكلة عجز القطاع الخاص عن التنمية. وهذا ما اثبتته دراسات حول تطوير القطاع الخاص في الدول التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي مثل جنوب السودان واثيوبيا وماينمار اثبتت ان [27].
  • تفعيل السياسات المالية الحكومية لكي تقوم بعميلة دعم المشاريع المتوسطة التي تكون همزة الوصل بين المشاريع الكبيرة التي غالباً ما تكون عابرة للحدود والمشاريع الصغيرة التي تكون قدراتها اضعف من استيعاب قوى العمل او تطوير المهارات والخبرات واحداث الفرق  .[28]
  • الاستعادة بالشركاء الدوليين للمساعدة والدعم في اصلاح أنظمة الاقتصاد الكلي .
  • العمل على اصلاح بيئة الاستثمار .
  • تنويع اشكال القطاع الخاص وتنويع توزيعه الجغرافي مع مراعاة المناطق التي تتركز فيها الكثافة السكانية او التي ترتفع فيها اعداد قوى العمل المنتجة والمؤهلة. وهذا يتم من خلال خطط التشجيع التي يمكن ان تقدمها الحكومات المحلية والتي تحفز الاستثمار في قطاعات استثمارية جديدة او في المناطق والنواحي البعيدة عم مراكز المدن في العراق .

الخاتمة

إعادة بناء الدول التي تعاني من تراكمات الحروب والصراعات وهشاشة الاستقرار والسلام لا تزال من اهم المواضيع التي تناقش بعمق في الجميع انحاء العالم. حيث اثبتت التجارب بان اضطراب الامن والسلام في دولة او منطقة من مناطق العالم من شأنه ان يهدد الاقتصاد والامن العالمي[29]. ولكن بناء السلام هو عملية متكاملة بالنسبة لهذه الدول الهشة ولا يمكن تحقيقه بزيادة الانفاق على المؤسسات الأمنية وشراء الأسلحة مقابل خفض الانفاق على برامج التنمية الاقتصادية وبناء المؤسسات ودعم الاستدامة في الطاقة البشرية, ولعل حالة العراق دليل على ان مقاربة الانفاق العسكري فشلت في تغيير واقع العراق الأمني بل عززت انظمة الفشل والفقر والهشاشة في هذا البلد.

وعليه يجب ان يحدث إعادة ترتيب للأولويات في العراق بطريقة جذرية وان تتحمل المؤسسات الرسمية والقوى المجتمعية مسؤولية إعادة بناء السلام في العراق على أساس دعم التنمية الاقتصادية وليس على أساس التوسع في الانفاق على الأجهزة والمؤسسات الأمنية.

ان اليات التنمية الاقتصادية الثلاث التي قمنا بشرحها في هذه المقال تمثل بعض الاساسيات التي اقترحتها المنظمات والمؤسسات الاقتصادية الدولية لبناء السلام وتحقيق الامن والاستقرار في الدول الهشة عبر فرضية مفادها ان التنمية الاقتصادية هي الخيار الأنسب لتحقيق الاستقرار والانتعاش الاقتصادي. وهذه الآليات المذكورة أعلاه: إعادة بناء المؤسسات واستراتيجيات التنمية المستدامة ودور القطاع الخاص في بناء السلام , تمثل أسس مهمة للقضاء على الفقر والاستغلال والبطالة التي هي الجوهر الحقيقي والمصدر الأساسي لاندلاع الصراعات وضعف الامن والاستقرار في العراق. ومع انه هنالك جهد حكومي في تحسين هذه الاليات الا ان الجهود لاتزال غير كافية ومتعثرة وهو ما ينعكس على رغبة الشركاء والداعمين للأمن في العراق في الاستمرار في تمويل برامج الإصلاح والتنمية الاقتصادية.

Executive Director & Head of Researchers *

dr.ranakhalid@yahoo.com

ranaifpmc@outlook.com

Refrences

[1] Tabaqchali. Ahmed, Al-Shadeedi.Hamzeh,  Al-Saffar.Ali .2021, Iraq Economic Review: The National Baguet Short And Medium Term Prospects, Institute Of Regional and International Studies IRIS,Available In: https://auis.edu.krd/iris/sites/default/files/18%20Feb%2021%20Iraq%20Economic%20Review.pdf.p12

[2] صحيفة الاندبندنت (The Independent )العربية, العراق يخصص 19 مليار دولار للنفقات العسكرية رغم ازمته الاقتصادية ,عدد الخميس 7 يناير 2021, https://www.independentarabia.com/node/

[3] مجلس النواب العراقي ,لجنة الامن والدفاع تناقش موازنة الوزارات الامنية مع اللجنة المالية 20201,  الموقع الالكتروني,https://ar.parliament.iq/2021/02/14/

[4]Iraqi Defence Expenditure Expected to record a CAGR Of 5.5%Over 2020-2024 See:

Research And Markits.2019,Iraqi Defence Market Outlook Too 2024-Iraqi Defence Expenditure Expected to record a CAGR Of 5.5%Over 2020-2024 ,Dublin, Available in : https://www.globenewswire.com/news-release/2019/12/16/1961172/0/en/Iraqi-Defense-Market-Outlook-to-2024-Iraqi-Defense-Expenditure-Expected-to-Record-a-CAGR-of-5-5-Over-2020-2024.html

[5] Institute For Economics &Pease IEP.2020,Global Peace Index  June 2020:Measuring Peace In A Complex world Available from: http://visionofhumanity.org/reports,Accessed: 18\March\2021.

[6] Institute For Economics &Pease IEP.2019, Global Terrorism Index Briefing ,Available In GTI-2019-briefingweb.pdf (visionofhumanity.org).

[7] Institute for Economics & Peace. Ecological Threat Register 2020: Understanding Ecological Threats, Resilience and Peace, Sydney, September 2020. Available from: http://visionofhumanity.org/reports, P16-17

[8] Friedman, J. 2003. Globalisation, the state, and violence. Oxford: AltaMira Press,p ix.

[9] Serneels, P. & Verpoorten, M. 2012. The impact of armed conflict and economic performance: evidence from Rwanda [Working paper]. Oxford: Centre for the study of African Economics.P 2

[10] Blattman, C. 2010. Post-conflict recovery in Africa: the micro level. Available: https://pdfs.semanticscholar.org/90db/96134462359e09162f1f90dadbdabcc0a16d.pdf.

[11] Serneels, P. & Verpoorten, M. 2012. The impact of armed conflict and economic performance: evidence from Rwanda [Working paper]. Oxford: Centre for the study of African Economics,p1.

[12] McIntosh, K. & Buckley, J. 2015. Economic development in fragile and conflict-affected states: topic guide. Birmingham, UK: GSDRC, University of Birmingham,P2.

[13]  Serneels, P. & Verpoorten, M. 2012, ,p4-5.

[14] Ibid ,p21

[15]McIntosh, K. & Buckley, J. (2015). Economic development in fragile and conflict-affected states: Topic guide. Birmingham, UK: GSDRC, University of Birmingham, Available In: http://www.gsdrc.org/wp-content/uploads/2015/09/Econdevfragilestates1.pdf

[16] See:Ibid,p5-7

[17] The Global Goals For Sustainable Development .2020,5 Reasons Why The Global Goals Are The Best Plan To Build Back Better,[Website], Available At : https://www.globalgoals.org/news/5-reasons-.

[18] ibed

[19] World Bank. 2016a. What is local economic development (LED)? Available: http://web.worldbank.org/WBSITE/EXTERNAL/TOPICS/EXTURBANDEVELOPMENT/EXTLED/0,,contentMDK:20185186~menuPK:399161~pagePK:148956~piPK:216618~theSitePK:341139,00.html.

[20] Ibed.

[21] Government of Iraq .2020, Aims and axes of the white paper for economic reform in Iraq ,[Website],Available in : https://gds.gov.iq/ar/iraqs-white-paper-for-economic-reforms-vision-and-key-objectives/

[22] Nagelmackers-Voïnov, M. 2017. Business and private diplomacy: a potential catalyst for sustainable peace. Available: http://www.gcsp.ch/News-Knowledge/Publications/Business-and-Private-Diplomacy-A-Potential-Catalyst-for-Sustainable-Peace [2021,March 25].p12

[23] Ibid,p12

[24] Ibid,p9

[25] راس المال الثابت : مفهوم ظهر في القرن الثامن عشر على يد عالم الاقتصاد ديفيد ريكاردو . ويشير هذا المصطلح الى قسم من راس المال لا يتغير مهما تغير حجم الإنتاج بمعنى ان هذا القسم من راس المال سيتم تخصيصه او انفاقه سواء كان المشروع في حالة عمل اوالتوقف وهو يشمل أيضا تكاليف شراء العناصر اللازمة للإنتاج مثل المباني او السيارات او المعدات والأدوات وغيرها من العناصر التي تساهم في تكوين المشاريع ولكنها لاتدخل في دورة الإنتاج . ويعد من اهم المؤشرات التي تقيس دور القطاع الخاص في الاقتصاد لدولة ما .

انظر :موقع هارفرد بزنس ريفيو : النشرة العربية ، https://hbrarabic.com/ .

[26]وزارة التخطيط العراقية- الجهاز المركزي للإحصاء، التقديرات الفعلية الاجمالي تكوين رأس المال الثابت في العراق 2017, http://www.cosit.gov.iq/documents/national_accounts/forming_capitals/reports/%

[27] Davis. Peter, Spearing. Michelle, and Thorpe. Jodie.2018, PRIVATE SECTOR DEVELOPMENT IN COUNTRIES PROGRESSING TO PEACE AND PROSPERITY, HEART (High-Quality Technical Assistance for Results),[pdf],Available in: https://assets.publishing.service.gov.uk/media/5bc7168740f0b6385ea2d7b1/A2428_final_report.pdf, p26

[28] Ibed, p27-29

[29] Tardy, T. 2011. Peace operations: the fragile consensus. In SIPRI yearbook 2011: armaments, disarmament and international security. Available: https://www.sipri.org/yearbook/2011/03.

Comments

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Popular stories

جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب

يعلن منتدى صنع السياسات - لندن IFPMC عن اطلاق مبادرة (جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب) في موضوع تأثير الجماعات والمليشيات المسلحة على التنمية الاقتصادية...

واقع التعليم الألكتروني في العراق و أهم التحديات

ا. م. د. ياسر علي ابراهيم شهدت السنوات الماضية تطورات علمية سريعة في تقنية  المعلومات والاتصالات مما جعل انتشارها وتطبيقها أمراً مألوفا وشائعا في العديد من...

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة شاهو القره داغي باحث في الشأن العراقي 27/4/2020           يعاني العراق منذ سنوات من العديد من المشاكل السياسية و الأمنية و الاقتصادية...