الزلزال الإقتصادي

Related Articles

الزلزال الإقتصادي

رفع أسعار الفائدة للبنك الفدرالي الأمريكي وتأثيره على الإقتصاد العالمي 

منتدى صنع السياسيات العامة

IFPMC-LONDON 

JUNE 2022

يستعد العالم الى موجة تسونامي إقتصادية مدوية الأربعاء القادم مع اجتماع مجلس البنك الفدرالي الأمريكي لإقرار زيادة جديدة في أسعار الفائدة قد تصل الى 0.75 % وليس 0.05 % كما حدث في مايو\ اذار المنصرم. والذي كان قد رفع سعر الفائدة بهذه النسبة منذ عام 2000 علماً ان البنك الفدرالي الأمريكي سبق ان رفع سعر الفائدة في عام 2018 بنسبة 0.25 .

رفع الأسعار الفائدة الامريكية تأتي ضمن خطة الإدارة الامريكية لمواجهة التضخم الذي وصل الى اعلى معدلات له منذ 40 عاماً وكان له صداً مدوياً في أسواق الأسهم والسندات الامريكية وحينها لم يتجاوز التضخم 7.6% في حين ان معدلات التضخم الأمريكي في 2022 سجلت اعلى مستويات لها في مايو \اذار 8.6% مقابل 8.3% في ابريل \نيسان  و 8.3% في مارس\اذار الماضي[1].

ما هو بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي FED

في عام 1907 شهد الاقتصاد الامريكي واحد من اقسى الازمات المالية التي تعرف بالأزمة المصرفية الامريكية او ما يعرف بأزمة (الذعر المصرفي) 1907 Bankers Panic. هذه الازمة كانت نتيجة تفشي الفساد في القطاع المصرفي الأمريكي وانهيار الأسهم والسندات مما أدى الى ذعر بين المودعين مما حداهم الى سحب ودائعهم المالية كاملة بدأ فيبنوك نيويورك وانتشر كالنار في الهشيم في سائر الولايات الامريكية بل وانتقلت العدوى الى العالم مما أدى الى افلاس العديد من المصارف في الولايات المتحدة و اوربا[3].

على اثر تلك الازمة تم إعادة هيكلة السياسات النقدية والمالية في الولايات المتحدة . تم تأسيس البنك الفدرالي الأمريكي في أواخر عام 1913، وفي عام 1918 وقع الرئيس الأمريكي ودرو ولسون قانون نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المعروف ب FRS المكون من 12 بنك احتياطي فيدرالي إقليمي، وهي البنوك المسؤولة بشكل مشترك عن إدارة المعروض من المال في البلاد، وتقديم القروض، والإشراف على البنوك، والعمل كملاذ أخير للإقراض. ويشار عموما إلى أن هدف نظام الاحتياطي الفيدرالي يتمثل في تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: تعظيم فرص العمل، وتثبيت الأسعار، واعتدال أسعار الفائدة الطويلة الأجل. هذه الأهداف المعلنة معقولة جدًا لأنها تهدف إلى تقليل الاضطرابات الاجتماعية التي يستفيد منها المواطنون الأمريكيون بشكل جماعي[4].

ولكن في الأساس دور نظام الاحتياطي الفدرالي هو هدف مزدوج يطلق عليه بDUAL MANDATE وهو

اولاً:تحقيق التوظيف الكامل للاقتصاد الأمريكي

وثانياً : تحقيق استقرار الأسعار. انظر الشكل رقم 1

شكل رقم 1

الدور المزدوج الذي سقوم به نظام بنك الاحتياط الامريكي 

وعليه فان البنك الاحتياطي الفدرالي هو اعلى سلطة تتحكم بمواطني الولايات المتحدة من خلال التحكم بمسيرة الاقتصاد حيث يتم تعديل سرعة النشاط الاقتصادي لكافة القطاعات وفقاً لسياسات ال FRS. ولكن البنك الفدرالي الأمريكي هو المؤسسة المالية الأكبر والأخطر في الاقتصاد العالمي .

 اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، ذراع صنع السياسات في بنك الاحتياطي الفيدرالي، تدير حاليا المناقشات في مقدار رفع سعر الفائدة القياسي الذي لا يجب ان يكون عالي المخاطر بالنسبة للاقتصاد الأمريكي والمستهلكين والشركات كبيرة.

في الأسابيع الأخيرة ، أشار رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول إلى أن البنك المركزي الأمريكي من المرجح أن يزيد سعر الفائدة بمقدار 0.5 نقطة مئوية إلى نطاق يتراوح بين 1.25٪ و 1.5٪. لكن الأسواق والاقتصاديين في وول ستريت يتوقعون الآن ارتفاعا أكبر بمقدار 0.75 نقطة لأن بيانات أسعار المستهلكين في مايو تشير إلى أن التضخم كان عنيدا بشكل غير متوقع. يشير بعض محللي وول ستريت إلى إمكانية رفع 1 نقطة مئوية[5].

خاصة وانه منذ صدور أحدث بيانات مؤشر أسعار المستهلكين في 10 يونيو ، أدى احتمال حدوث وتيرة أسرع لرفع أسعار الفائدة إلى انخفاض الأسواق المالية بنسبة 5٪. الشركات الكبرى المستثمرون الكبار يشعرون بالقلق من أنFED  قد يبطئ الاقتصاد كثيرا في معركته للحد من التضخم، والذي إذا ترك دون رادع فإنه يشكل أيضا مشاكل خطيرة للمستهلكين والشركات. وجد استطلاع حديث للرأي أن التضخم هو أكبر مشكلة يعتقد الأمريكيون أن الولايات المتحدة تواجهها في الوقت الحالي.

الهبوط الناعم

كما ذكرنا سابقاً، يتمتع بنك الاحتياطي الفيدرالي بولاية مزدوجة او DUAL MANDAT  وعندما يكون الاقتصاد ضعيفا، عادة ما يكون التضخم ضعيفا ويمكن لبنك الاحتياطي الفيدرالي التركيز على إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لتحفيز الاستثمار وتعزيز فرص العمل. وبالعكس عندما يكون الاقتصاد قويا، تكون البطالة عادة منخفضة للغاية، وهذا يسمح لبنك الاحتياطي الفيدرالي بالتركيز على السيطرة على التضخم.

للقيام بذلك ، يحدد بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة قصيرة الأجل ، والتي بدورها تساعده على التأثير على أسعار الفائدة طويلة الأجل. على سبيل المثال، عندما يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة المستهدف قصير الأجل، فإن هذا يزيد من تكاليف الاقتراض بالنسبة للبنوك، والتي بدورها تمرر هذه التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين والشركات في هيئة معدلات أعلى على القروض طويلة الأجل للمنازل والسيارات.

في الوقت الحالي ، يرى خبراء FED ان الاقتصاد الأمريكي نشط للغاية، والبطالة منخفض، وبنك الاحتياطي الفيدرالي قادر على التركيز في المقام الأول على الحد من التضخم. والمشكلة هي أن التضخم مرتفع للغاية، بمعدل سنوي يبلغ 8.6٪، إلى الحد الذي قد يتطلب خفضه أعلى أسعار فائدة منذ عقود، الأمر الذي قد يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد إلى حد كبير.[6]

وهكذا يحاول بنك الاحتياطي الفيدرالي تنفيذ ما يسمى بالهبوط الناعم او ما يعرف ب Soft Landing [7]. ويمكن تعريفه بانه دورة لتخفيف سرعة النمو الاقتصادي في سبيل تجنب الركود . ويتم تحقيق الهبوط الناعم من قبل البنوك المركزية عن طريق التحكم بأسعار الفائدة بنسبة منتظمة بما يساهم في الحد من التضخم المرتفع دون التسبب بالانكماش المؤلم الحاد .

ومن أجل تثبيت الأسعار مع عدم الإضرار بالعمالة، من المتوقع أن يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بسرعة في الأشهر المقبلة – ويتوقع حاليا أن تكون أسعار الفائدة أعلى بمقدار 1 نقطة مئوية على الأقل بحلول عام 2023. وقد رفعت بالفعل سعر الفائدة القياسي مرتين هذا العام بما مجموعه 0.75 نقطة مئوية.[8]

تاريخيا، عندما اضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بسرعة، كان من الصعب تجنب الانكماش الاقتصادي. ولكن هل يمكن ان تحقق سياسة الهبوط الناعم اهداف الفدرالي الأمريكي ؟ يجيب رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي جيروم بأول على هذا السؤال بالقول  “أن أدوات سياسة البنك الفدرالي الأمريكي أصبحت أكثر فعالية منذ آخر معركة تضخم في 1980 ، مما يجعل من الممكن هذه المرة التمسك بالهبوط”[9]. الى انه من جانب اخر لا يزال العديد من الاقتصاديين وغيرهم من المراقبين غير متأكدين والكثيرين منهم يتوقعون حدوث ركود بدءا من العام المقبل[10].

الاقتصاد العالمي

لمعرفة الأثر الذي سيحدثه رفع سعر الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي يجب ان نتخيل احجار الدومينو حيث ان مقدار قوة وسرعة سقوط الحجر الأول الأساسي سوف يتدرج الى باقي الأحجار بنفس الوتيرة.

ولشرح ذلك نقول انه عندما يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي السعر المستهدف، يصبح اقتراض الأموال أكثر تكلفة.

أولا، تدفع البنوك المزيد لاقتراض الأموال، ولكن بعد ذلك تفرض على الأفراد والشركات المزيد من الفائدة أيضا، وعندما تكون أسعار الفائدة أعلى ، يستطيع عدد أقل من الناس شراء الأصول وعدد أقل من الشركات يمكنها تحمل تكاليف الاستثمار في مصنع جديد وتوظيف المزيد من العمال.

ثانياً، ونتيجة لذلك، يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى إبطاء معدل نمو الاقتصاد بشكل عام، مع الحد من التضخم أيضا.

وهذه ليست قضية تؤثر على الأمريكيين فقط. يمكن أن يكون لارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة تأثيرات مماثلة على الاقتصاد العالمي ، سواء عن طريق رفع تكاليف الاقتراض أو زيادة قيمة الدولار ، مما يجعل شراء السلع الأمريكية أكثر تكلفة. وهنا يمكن ترجيح عدد من الاحتمالات:

  • احتمال تراجع أسعار النفط لأنها ترتبط عكسيا بقيمة الدولار، فكلما ارتفع سعر صرف العملة الأميركية هبطت أسعار النفط العالمية.
  • ضعف الطلب على السندات الدولارية العربية، حيث إن رفع الفائدة الأميركية سيجعل سندات الخزانة الأميركية أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي في السوق العالمية من نظيرتها العربية.
  • احتمال تفاقم معدلات التضخم وارتفاع تكلفة الواردات في الدول العربية، إذ يؤدي رفع الفائدة الأميركية إلى صعود سعر صرف الدولار أمام معظم العملات العربية، ومن ثم فإن بلدان المنطقة التي تعاني من عجز في الميزان التجاري ستعاني من تفاقم هذا العجز بسبب زيادة تكلفة الاستيراد.
  • ارتفاع تكلفة الديون العربية، فالدولار المرتفع يزيد من عبء الديون الخارجية، مما قد يُلقي بعبء جديد على الموازنات العامة للدول المقترضة، ويدفعها إلى مزيد من الإجراءات التقشفية. ولقد شهدت المنطقة العربية سيناريو مشابه مطلع الثمانينات من القرن الماضي ابان تداعيا ازمة التضخم التي ضربت الولايات المتحدة والتي أدت الى زلزال أسواق المال الامريكية وفي وقتها ايضاً تم رفع أسعار الفائدة الامريكية التي أدت الى ارتفاع أسعار الدولار الى ارقام قياسية في وقتها وتأثرت العديد من الدول في العالم الثالث من جراء تراكم الديون وعجز الموازنات العامة .
  • قد تتجه بعض البنوك المركزية العربية إلى رفع أسعار الفائدة من اجل تدارك قدرتها التنافسية على الاستثمار في أدوات الدين وهذا ما قامت به مصر حيث رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة 2% منذ منصف مايو الماضي [11].

 

REFRENCE 

[1] Dow Jones & Company. (2022, June 14). Fed likely to consider 0.75-percentage-point rate rise this week. The Wall Street Journal. Retrieved June 15, 2022, from https://www.wsj.com/articles/bad-inflation-reports-raise-odds-of-surprise-0-75-percentage-point-rate-rise-this-week-11655147927

[2] Ibid

[3] Changing the Federal Reserve’s Mandate: An Economic Analysis. (n.d.). Retrieved June 13, 2022, from https://crsreports.congress.gov/product/pdf/R/R41656

[4] Ibid

[5] Dow Jones & Company. (2022, June 14). Fed likely to consider 0.75-percentage-point rate rise this week. The Wall Street Journal. Retrieved June 15, 2022, from https://www.wsj.com/articles/bad-inflation-reports-raise-odds-of-surprise-0-75-percentage-point-rate-rise-this-week-11655147927

[6] D. Brian Blank Assistant Professor of Finance. (2022, June 14). 5 things to know about the Fed’s interest rate increase and how it will affect you. The Conversation. Retrieved June 15, 2022, from https://theconversation.com/5-things-to-know-about-the-feds-interest-rate-increase-and-how-it-will-affect-you-185008

[7] https://www.investopedia.com/terms/s/softlanding.asp

[8] https://www.marketwatch.com/story/with-inflation-hotter-fed-might-now-consider-75-basis-point-rate-hike-this-week-11655155322

[9] Ryssdal, K., & Staff, M. (2022, May 12). Fed chair Jerome Powell: “whether we can execute a soft landing or not, it may actually depend on factors that we don’t control.”. Marketplace. Retrieved June 15, 2022, from https://www.marketplace.org/2022/05/12/fed-chair-jerome-powell-controlling-inflation-will-include-some-pain/

[10] D. Brian Blank Assistant Professor of Finance. (2022, June 14). 5 things to know about the Fed’s interest rate increase and how it will affect you, Ibid.

[11] الفيدرالي الأمريكي يبحث مصير الفائدة هذا الأسبوع.. فكيف سيؤثر على مصر؟. مصراوي.كوم. (n.d.). Retrieved June 15, 2022, from https://www.masrawy.com/news/news-banking/details/2022/6/12/2241019/

Comments

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Popular stories

جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب

يعلن منتدى صنع السياسات - لندن IFPMC عن اطلاق مبادرة (جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب) في موضوع تأثير الجماعات والمليشيات المسلحة على التنمية الاقتصادية...

واقع التعليم الألكتروني في العراق و أهم التحديات

ا. م. د. ياسر علي ابراهيم شهدت السنوات الماضية تطورات علمية سريعة في تقنية  المعلومات والاتصالات مما جعل انتشارها وتطبيقها أمراً مألوفا وشائعا في العديد من...

“Hisham Al-Hashemi” Award for Young Researchers – Papers

Below are the top 10 papers submitted for the Hisham Al-Hashemi Award. GASMI Abdelssam :The impact of terrorist groups and militias on the development...