الدوافع السياسية والاقتصادية لمشروع سكة الحديد الإيرانية

Related Articles

الدوافع السياسية والاقتصادية لمشروع سكة الحديد الإيرانية

 

الأستاذ شاهو القرة داغي

 

منتدى صنع السياسات IFPMC-LONDON

 

ملخص تنفيذي :.

تم الحديث عن خطة لبناء خط سكة حديد ثلاثي بين إيران والعراق وسوريا منذ عدة سنوات، ولكن في الآونة الأخيرة وبعد العقوبات الاقتصادية الامريكية على إيران وتضرر طهران منها ، أصبحت هناك تحركات جدية من قبل الجانب الإيراني لتنفيذ هذا المشروع، حيث يتحدث القيادات الإيرانية عن أهمية هذا المشروع في أغلب المناسبات في إطار الحديث عن تنمية الاقتصاد الإيراني وكسر العقوبات المفروضة عليها وضمان وصولها الى البحر الأبيض المتوسط عن طريق هذا المشروع، وقد أكد الرئيس الإيراني روحاني في أكثر من مناسبة كان آخرها في آيار 2020 بأن “المشروع الذي سيربط إيران بالعراق وسوريا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط سيساهم في تحقيق كبير في المنطقة “.

لسنوات عديدة كان هناك حديث عن مشروع إيراني عراقي سوري لبناء خط سكة حديد توصل الأراضي الإيرانية بسواحل البحر الأبيض المتوسط وكانت في مجال البحث والدراسة فقط، ولكن في السنوات الأخيرة وبعد تصاعد حدة الصراع الإيراني الأمريكي و العقوبات التي عرضت الاقتصاد الإيراني إلى الكثير من المشاكل، حاولت طهران أن تعزز من جهودها مع السلطات العراقية والسورية إلى ادخال المشروع في مجال التنفيذ و استخدامه كواحدة من أهم الوسائل والأدوات لمواجهة العقوبات الامريكية وكجزء من التدابير المضادة التي تتبناها طهران في مواجهة السياسات الاقتصادية الامريكية.

وبحسب الاتفاق فإن إيران سوف تدفع تكلفة بناء خط سكة حديد شلامجة -البصرة بطول 32 كيلومتراً من خلال بناء جسر متحرك بطول 800 متر بدعم مالي من مؤسسة المستضعفين، بينما سيكمل العراق باقي الطريق إلى الحدود السورية، وستقوم سوريا ببناء 32 كيلومترا لربط السكك الحديدة بخطوطها الحديدية وربطها في النهاية بميناء اللاذقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط .

النظرة الإيرانية للمشروع

تنظر إيران إلى الربط السككي بنظرة استراتيجية ترتبط بمصالح إيران السياسية والعسكرية والاقتصادية في كامل المنطقة، فهي سوف تربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط عن طريق العراق وسوريا.

يؤكد السيد كمال الدين شهرياري عضو لجنة التنمية في البرلمان الإيراني أن “السكك الحديدية التي تربط ثلاث دول بالإضافة إلى ما لها من آثار إيجابية على الاقتصاد، فهي تعزز قوة محور المقاومة في المنطقة “.(1)

وقد صرح أمير أميني نائب وزير التخطيط بوزارة الطرق والتنمية الإيرانية بأنه “سيتم ربط السكة الحديدية الإيرانية بالسكك الحديدية العراقية عبر خط الشلامجة بالبصرة، ومن هناك إلى ميناء دير الزور على البحر الأبيض المتوسط “

ويقول أميني أن “هذا الممر البديل فيه إمكانات عالية ويمكن ان يتحول الى نقطة او محور بديل عن علاقة إيران بأوروبا، لأنه في الوقت الحالي فإن الطريقة الوحيدة الآمنة للاتصال بين إيران وأوروبا هي تركيا، ولكن مع استقرار الوضع الأمني في العراق وسوريا، يمكن أن يكون هذا المحور بديلاً جيداً”.

السيطرة على طرق التجارة كانت سبباً رئيسياً للكثير من الحروب عبر التاريخ إضافة الى الأسباب الأيديولوجية والتاريخية والسياسية، حيث تحاول كل دولة أن تقدم نفسها كمسار مناسب للنقل ومنع الدول الأخرى من اتخاذ هذا المسار، و انطلاقا من هذه الحقائق تحاول إيران أن تضيف إنجازاً اخر لرصيدها الجيوسياسي وتؤسس هذا الربط السككي الذي يقدم الكثير من الامتيازات للجمهورية الإسلامية. (2)

أهداف إيران من المشروع :.

1.وصول إيران الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط وتحقيق فوائد اقتصادية كبيرة .

2.السيطرة الكاملة على الأسواق العراقية والسورية والاردنية أيضا وفتحها للمنتجات والسلع الإيرانية، حيث تطمح طهران إلى رفع التبادل التجاري مع العراق فقط إلى 20 مليار دولار سنويا.

3.تشكيل تحالف اقتصادي في المنطقة في مواجهة التحالفات الأخرى التي قد تتشكل مستقبلاً مثل (تحالف الشام الجديد) أو أي تحالف آخر قد يكون العراق طرفاً فيه لإبعاده عن دائرة النفوذ الإيرانية.

المصالح الإيرانية من المشروع

 تحاول إيران ان تحقق الكثير من المصالح من خلال مشروع السكك الحديدية الثلاثية، فهي تنظر إلى المشروع كجزء رئيسي من مشروع إعادة اعمار سوريا، بالإضافة إلى الفوائد الاقتصادية والمساعدة في تخفيف ضغط العقوبات الغربية على إيران، وسيعمل الخط الحديدي على تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع سوريا والعراق، وتسهيل السياحة الدينية و السياحة الصحية بين الدول الثلاث ومساعدة إيران في تحقيق هذه الأهداف، وأيضا تعمل إيران على إنشاء وتشغيل خط أنابيب نقل الغاز أيضاً بالتوازي مع السكك الحديدية لتصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا.(3)

تحاول إيران ان تؤكد أنها الطريق الأكثر أمانا لنقل البضائع عبر إيران، وبالتالي تعمل على فتح خط سكة الحديد ووصله بالبحر الأبيض المتوسط، حيث لا يسمح الإيرانيون للدول العربية باستخدام أي وسيلة أخرى لإرسال النفط والغاز غير مضيق هرمز، لأن انتفاء قيمة هذا المضيق سيؤدي الى تراجع الثقل الإيراني على الساحة المحلية والدولية و التي تهدد دائماً بتدمير البنية الاقتصادية للدول الخليجية عن طريق اغلاق مضيق هرمز.

معوقات وعراقيل المشروع الإيراني

من الواضح أن الاتفاقية الثلاثية بين إيران والعراق وسوريا بشأن إنشاء الخط الحديدي لا تواجه أي خلافات سياسية بين مسؤولي تلك الدول، ولكن أحد الأسباب الرئيسية لتأخير وعرقلة المشروع هو تدهور الأوضاع السياسية والأمنية وخاصة في العراق، كما أن المشاكل المالية والاقتصادية التي تمر بها العراق قد تؤدي الى عدم القدرة على تمويل المشروع، وبما أن الاضطرابات الأمنية قائمة وخاصة بعد تصاعد العنف بين وكلاء إيران و الولايات المتحدة الامريكية على الساحة العراقية فإنه من الصعب تنفيذ هذا المشروع على أرض الواقع وخاصة أن ساحة هذا الصراع تقع ضمن الأراضي العراقية والحدود السورية والتي تشكل مخاطر كبيرة على هذا الخط الذي يتطلب توفر الامن والاستقرار لنجاحه. وداعش أيضا.

أما فيما يتعلق بالجانب السوري فهناك مشاكل وعقبات أمنية رغم الفوائد الكثيرة التي سوف تديرها على الاقتصاد السوري، وجود الجماعات المتطرفة والفواعل العنيفة من غير الدول، وتدمير البنية التحتية الحيوية لسوريا، بما في ذلك تدمير 1800 كيلومتر من السكك الحديدية في البلاد، والتي تمتد بشكل أساسي إلى دول الجوار.

أما في الجانب الإيراني فإن السلطات الإيرانية تأخذ المشروع على محمل الجد وليس هناك صعوبات او عراقيل محلية او خارجية لتنفيذه، ولكن المشكلة الرئيسية في وجهة هذا المشروع هو التواجد الروسي في ميناء اللاذقية السوري التي ترى في ارتباط إيران بالبحر الأبيض المتوسط إضراراً بمصالحها، حيث أن الوصول الإيراني إلى البحر الأبيض المتوسط وتسهيل التجارة مع أوروبا ، قد يعرض للخطر عملية توريد 40% من الغاز الأوروبي عبر الأراضي الروسية ويكون بمثابة منافس جاد وحقيقي لروسيا (4) ، ومن المؤكد أن القيادات الروسية سوف يسارعون في اتخاذ إجراءات علنية أو سرية ضد هذا المشروع، بما في ذلك الضغط على الحكومة السورية إلى عدم الاكتراث بتوفير الامن في مسار هذا المشروع حتى يصعب العمل فيه .(5)

يتحدث بعض المصادر بأن كلفة مجمل المشروع تقدر بـ 10 مليارات دولار، وهو ما يثقل كاهل الحكومات المشاركة في هذا المشروع ، وخاصة أن هذه الدول تعاني من مشاكل اقتصادية وقد تجد صعوبة في إيجاد التمويل الكافي لتنفيذ هذا المشروع. (6)

النتائج والعواقب السياسية والاقتصادية

أحيانا تُركز إيران على المعايير الجيوسياسية والسياسية والعسكرية والأمنية أكثر من الحوافز الاقتصادية، وهذا الأمر قد يكون صحيحاً بالنسبة لهذا المشروع، حيث أن نجاح إنشاط هذا الخط الحديدي الثلاثي بين (إيران، العراق، سوريا) قد يساهم في إعادة تركيب وتنشيط طريق الحرير الصيني، وسيزداد الثقل الإيراني في المنطقة ومكانتها الاقتصادية ، كما أنها سوف تحصل على دعم وتمويل ومشاركة صينية في تأسيس وبناء هذا الممر.

ومع اشتداد المنافسة بين الصين و الولايات المتحدة الامريكية، يبحث الصينيون عن بدائل لتجنب تقييد تحركاتهم من قبل أمريكا، بحيث تحتاج صناعاتهم إلى الطاقة والمواد الخام بشكل يومي، ويعمل الطرف الصيني على إيجاد طرق وبدائل بعيدة عن النفوذ والسيطرة الامريكية.

شكوك عراقية حول جدوى المشروع

يشعر الجانب الإيراني أن هناك شكوكاً لدى الجانب العراقي حول جدوى هذا المشروع بالنسبة إلى العراق، في تموز عام 2020 صرح وزير النقل العراقي ناصر حسين بأن “مشروع الربط السككي مع إيران ستكون فقط للمسافرين ولن يستخدم للأغراض التجارية ، وهناك دراسات بشأن مدى تأثير هذا الربط على الموانئ العراقية، ومدى انتعاش الموانئ الإيرانية، وبعد دراسة المشروع من قبل وزارات التجارة والتخطيط والنقل ووزارة الخارجية سيتم اتخاذ القرار بشأن الاستخدام التجاري”

بالإضافة إلى محاولة العراق التركيز على المصالح العراقية وبناء مشاريع أخرى مع دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية أو تركيا والتي قد تكون أكثر نفعاً وجدوى للعراق من هذا المشروع الإيراني الذي يُركز بالدرجة الأساس على كسر العزلة الإيرانية واستخدام هذا الربط لتقوية نفوذ محور المقاومة في المنطقة على حساب العراق والدول الأخرى .

إضافة إلى تأثير مشروع الربط السككي بين إيران والعراق على مشروع بيناء الفاو الكبير الذي يجري العمل عليه حالياً وإفراغه من أهميته، حيث أن مشروع الفاو يعتبر من المشاريع العملاقة عالمياً وسيلعب دوراً مهما في حركة التجارة العالمية.

الخاتمة

يبدو جلياً ان حكومة روحاني كانت مهتمة بتنفيذ مشروع الربط السككي بين إيران والعراق لجعله إنجازاً لفترة رئاسته، ولكن من غير الواضح حتى الآن إذا كان المشروع سيشكل اهتماماً بالنسبة للرئيس الإيراني الجديد “إبراهيم رئيسي” ، لأن الأدوات والأوراق التي من الممكن للحكومة الجديدة استخدامها ستكون أكبر من حكومة روحاني التي كانت محسوبة على التيار الإصلاحي الاعتدالي، بينما الرئيس الجديد ينتمي لمدرسة المرشد الإيراني علي خامنئي وبالتالي سيكون هناك توافق أكبر بين القرارات الحكومية وتوجهات المرشد الأعلى.

على الرغم من المواقف الأولية الموافقة للحكومة العراقية حول المشروع إلا ان هناك تردد في المباشرة بتنفيذه وخاصة في ظل المشاكل الأمنية والاقتصادية التي تمر بها العراق وجدوى هذا المشروع بالنسبة للاقتصاد العراقي، حيث أن الطرف المستفيد من المشروع هو الجانب الإيراني الذي سيستغله لتقوية نفوذه في الشرق الأوسط إضافة إلى إيصال البضائع الإيرانية بصورة أكبر لدول المنطقة، بينما بالنسبة إلى العراق قد لا يكون المشروع ذات جدوى كبير مقارنة بمشاريع أخرى تستطيع الحكومة العراقية تنفيذها دون الحاجة إلى التحول الى ممر لنقل البضائع والأسلحة والسلع الإيرانية.

إضافة إلى العوائق المحلية والإقليمية هناك عوائق وعراقيل د ولية قد تساهم في عرقلة هذا المشروع، لأنه لا يعتبر مشروع اقتصادي بقدر ما هو خطوة استراتيجية لتقوية نفوذ محور المقاومة وربط أجزاءه بصورة سلسلة وقادرة على تجاوز العقوبات والأزمات الاقتصادية والمالية.

الهجمات الامريكية والإسرائيلية المستمرة على الشريط الحدودي بين العراق وسوريا رسائل أمريكية واضحة بعدم السماح للجانب الإيراني باستخدام هذه المناطق لنقل الأسلحة والمقاتلين وتحويله الى مناطق تهديد للمصالح الامريكية سواء في الجانب العراقي او السوري وهذه المخاطر الأمنية تزيد من صعوبات تحول المشروع الإيراني الى واقع فعلي على أرض الواقع في ظل المعطيات الحالية.

shahoqaradaxi@gmail.com

المصادر :.

(1)-سكة حديد الخليج الفارسي – البحر الأبيض المتوسط؛ المحور الجديد للتنمية الاقتصادية للمنطقة، وكالة مهر الإيرانية

https://2u.pw/ZrZpk

(2) د. عماد أبشناس، حرب الممرات والموانئ، مقال منشور على موقع سبوتينك بالفارسية ، 14.7.2021 https://sptnkne.ws/GMAu

(3)نجاح عبدالله سليمان، عن مشروع السكك الحديدية بين إيران ودول المنطقة، الميادين، 23-01-2019 https://2u.pw/GtFme

(4)إيران تبدأ بمد سكة حديد في العراق تصلها بميناء اللاذقية ، تقرير راديو الكل، 13-11-2018 : https://www.radioalkul.com/p218430

(5) – مشروع سكة ​​حديد إيران – العراق – سوريا. الاحتمالات والعواقب  https://2u.pw/P6xda

(6)عادل المختار، الربط السككي مع إيران، ما للعراق وما عليه ؟ 23-03-2021 على الرابط https://www.iqiraq.news/reports/14770–.html

روميو موسى ، الربط السككي ، حلم إيران نحو البحر المتوسط على حساب العراق وسوريا ، https://2u.pw/1X3uR

Comments

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Popular stories

جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب

يعلن منتدى صنع السياسات - لندن IFPMC عن اطلاق مبادرة (جائزة هشام الهاشمي للباحثين الشباب) في موضوع تأثير الجماعات والمليشيات المسلحة على التنمية الاقتصادية...

واقع التعليم الألكتروني في العراق و أهم التحديات

ا. م. د. ياسر علي ابراهيم شهدت السنوات الماضية تطورات علمية سريعة في تقنية  المعلومات والاتصالات مما جعل انتشارها وتطبيقها أمراً مألوفا وشائعا في العديد من...

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة

تحديات الاقتصاد العراقي وخيارات المرحلة القادمة شاهو القره داغي باحث في الشأن العراقي 27/4/2020           يعاني العراق منذ سنوات من العديد من المشاكل السياسية و الأمنية و الاقتصادية...